• التاريخ : الاثنين 3 ذوالقعده 1431

مناهج الكتابة في السيرة النبوية


           

السيد علي الهادي

 

مقدمة للدخول في دراسة المناهج

  لم يهتم المسلمون بشيء بعد القرآن الكريم كاهتمامهم بسيرة نبيهم صلی الله علیه وآله وسلم وحرصهم على معرفة تفاصيل حياته الخاصة والعامة، يدفعهم الى ذلك عاملان رئيسيان:

  الاول: ارتباطهم العاطفي بشخص الرسول صلی الله علیه وآله وسلم وميلهم الشديد لمعرفة تفاصيل حياته. وقد كانت هذه الرغبة تتعاظم وتشتد كلما ابتعدوا عن عصره، وناى بهم الزمان اوالمكان عن مشاهدته والعيش معه عن قرب.

  كان كل شيء، في حياته، موضع حاجة بالنسبة لهم: تعامله مع الناس، خلقه في داخل بيته وسلوكه خارج البيت، وضعه مع اصحابه والمقربين منه وعمله مع اعدائه وخصومه،بل وحتى طريقة تعامله مع سائر مخلوقات اللّه.

  كان القريب منه لا يود فراقه والبعيد عنه يعيش امل اللقاء به والتشرف بخدمته. فهذا زيد بن حارثة ينفصل عن اهله ويرفض العودة مع ابيه واعمامه الذين افتدوه ليحرروه ويعودوا به الى منازلهم ويفضل الاقامة مع رسول اللّه، ويرى لذة العيش معه تفوق كل اللذات. وحين غاب رسول اللّه صلی الله علیه وآله وسلم اتجه المسلمون الى اصحابه ومن كان لهم شرف مرافقته ومعاشرته، وخاصة مسلمي البلاد المفتوحة الذين دخلوا الاسلام توا، وكانوا في غاية الشوق لسماع اخبار النبي صلی الله علیه وآله وسلم ومتابعة تفاصيل حياته.

  وهكذا كانت تتعاظم منزلة اصحاب الرسول صلی الله علیه وآله وسلم في اعين المسلمين وتشتد الحاجة اليهم كلما ابتعد بهم الزمان عن عهده صلی الله علیه وآله وسلم وقل المتحدثون والمحدثون عنه. وقد زادتهم حقبة الانقطاع في متابعة السيرة اي في ما منع التدوين زادتهم حنينا اليها وتعلقا باحداثها وبمن يحدث عنها حديث المشاهدة والمعايشة. وهكذا صار للصحابة في المجتمع الاسلامي موقع المرجعية، المرجعية التي تستمد شرعيتها من شرف الصحبة فحسب، صحبة رسول اللّه. واذا كان اتباع الديانات الاخرى لا يعطون هذه المكانة الا لحواريي الانبياء او رسلهم او نوابهم، او ما الى ذلك فان المسلمين منحوها للاصحاب، ليعكسوا بذلك مدى تعلقهم بقائدهم وانشدادهم اليه. وقد شيدت على هذا الاساس في ما بعدنظريات وعقائد. كان الغرض منها احيانا استغفال المسلمين وتكريس واقع اجتماعي او مذهبي معين وتقويض واقع آخر.

  لقد بولغ في قيمة ((الصحبة)) حتى قيل انها وحدها كافية لان تعصم صاحبها عن ارتكاب الخطا وتصده عن المعصية، واشتهر بين المسلمين ((ان اصحابي كالنجوم بايهم اقتديتم اهتديتم)). وقد كان لهذا الاعتقاد آثاره المعروفة على التاريخ الاسلامي التي ما تزال ذيولها باقية حتى اليوم.

  الثاني: كون السنة هي المصدر التشريعي الاول بعد الكتاب الكريم، وقد يلزمنا هذا الرجوع الى الكتاب مرة والى السنة مرتين: مرة لنتعلم منها ونهتدي بها واخرى لنستعين بهاعلى ادراك مقاصد القرآن ومراميه. ففي الكتاب ناسخ ومنسوخ، ومحكم ومتشابه، وعام وخاص، ومطلق ومقيد ولا سبيل لمعرفة ذلك وغيره في كثير من الاحيان الا بالرجوع الى السنة المطهرة.

  لم تعد دراسة السنة عند المسلمين، اذا، مجرد تعبير عن ميل عاطفي لرسول اللّه صلی الله علیه وآله وسلم او رغبة في تخليد آثاره وتسجيل مناقبه، كما يدرس الناس حياة العظماء ليتملوا من عناصر العبقرية فيها. لقد تحولت الدراسة من صلة انسانية وثيقة بين المسلمين وقائدهم الى فريضة دينية يقوم عليها اساس الدين، وتنبثق عنها تشريعاته واحكامه. انهاالاسوة الحسنة التي يقتفونها ومنبع الشريعة العظيمة التي يدينون بها.

  كل ذلك كان من دواعي الاهتمام الخاص الذي خص المسلمون السيرة النبوية به. وقد ترتب على ذلك تاسيس علوم خاصة بالسيرة كعلم الحديث وعلم الرجال وما الى ذلك.

  هذا فيما يخص المسلمين. اما غير المسلمين فقد كانت لهم اهدافهم الخاصة من العناية بالسيرة والاهتمام بها وقد اكثروا على اختلاف اهدافهم ومذاهبهم من الكتابة في هذاالموضوع.

  يحدثنا احدهم وهو المستشرق ((مرجليوت)) بقوله: ((ان الذين كتبوا في سيرة محمد لا ينتهي ذكر اسمائهم، وانهم يرون من الشرف للكاتب ان ينال المجد بثبوئه مجلسا بين الذين كتبوا عن سيرة هذا الرسول)). ونقل عن بعضهم قوله: انه احصى ما كتب في السيرة النبوية الشريفة بلغات اوروبا قبل ثمانين عاما فبلغ الف وثلاثمئة كتاب.1

  كانت تلك مقدمة ضرورية للدخول في دراسة المناهج التي سلكها المؤرخون او الباحثون في دراساتهم للسيرة النبوية.

1 ـ المنهج الذي جرى عليه التابعون والمصنفون الاوائل.

  لقد كان من الطبيعي ان يتجه المؤرخون للسيرة، في ذلك الجو المفعم بحب الرسول صلی الله علیه وآله وسلم والمشحون بالرغبة في التعرف على احواله اي الفترة التي منع فيها تدوين السيرة وتمتد من حين وفاته صلی الله علیه وآله وسلم الى ايام عمر بن عبد العزيز. كان من الطبيعي ان يتجهوا الى الجانب الشخصي في سيرة النبي صلی الله علیه وآله وسلم وكانهم يكتبون ترجمة لحياته يركزون فيهاعلى الجوانب المثيرة والخارقة للعادة من دون ملاحظة ما يمكن ان يسيء منها الى النبي صلی الله علیه وآله وسلم في موضع هم يريدون مدحه فيه وتسجيل منقبة له(ص). وقد شاعت هذه الطريقة بين المسلمين حتى كادوا يقرنون بين علو المنزلة في الدين وخرق العادة وابطال قوانين الاسباب والمسببات.

  فهذا يقول: ان يطير من غير جناح، وذلك يقول: انه اطلع على الغيب واتخذ عند الرحمن عمدا وآخر يقول: انه ضرب الحجر فصار ذهبا، وما الى ذلك من خرافات نقلهاالمحدثون كما هي، وادخلوها في السيرة النبوية المطهرة. وليس كثيرا في حق محمد صلی الله علیه وآله وسلم، وهو صاحب الخلق العظيم ان يحدث له ذلك، لكن الرسول لم يكن رجل خيال بل كان رجل حقائق يبصر بعيدها وقريبها. ياخذ الامور بمجاريها الطبيعية، فقد خاصم وسالم وانتصر وهزم وكافح على كل شبر من الارض، من دون ان ينخرم له قانون او تخرق له سنة من سنن الحياة.

فهذا القرآن الكريم يحذر النبي صلی الله علیه وآله وسلم، ومن معه، من الغفلة، ويدعوهم، وهم في الصلاة الى ان ياخذوا حذرهم من الاعداء والا يتوقعوا ملائكة تنزل عليهم فتكفيهم الاعداءدون جهد منهم، قال تعالى: (واذا كنت فيهم واقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك ولياخذوا اسلحتهم فاذا سجدوا فليكونوا من ورائكم. ولتات طائفة اخرى لم يصلوافليصلوا معك ولياخذوا حذرهم واسلحتهم. ود الذين كفروا لو تغفلون عن اسلحتكم وامتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم ان كان بكم اذى من مضى او كنتم مرضى او تضعوا اسلحتكم وخذوا حذركم).

  وليس لاحد ان ينكر اطلاع النبي صلی الله علیه وآله وسلم على الغيب، او ما الى ذلك من الامور التي يهيئها اللّه لنبيه، لحكمة معينة، لكن ينبغي الا يتحول ذلك الى قانون عام وقاعدة تحكم السيرة النبوية وحياة الصالحين من عباد اللّه.

2 ـ المنهج الذي جرى عليه مؤرخو العصر الاموي وما بعده

  لقد كان للاغراض السياسية اسوا الاثر على طريقة كتابة السيرة واعطائها الصورة المشوهة.

  ان تسلم الامويين لزمام السلطة بعد الامام علي علیه السلام لم يدع مجالا امام ما تبقى من الصحابة لتدوين السيرة والتحدث عنها بموضوعية.

  فمن الطبيعي ان يرفض بنو امية تدوين تاريخ لهم فيه اسوا الذكر ولاعدائهم احسنه.

  فما لا شك فيه ان تدوين السيرة يعني، في وجه من وجوهه، تدوين تاريخ بني امية المعادي للاسلام والمحارب لرسول اللّه.

  وهل يمكن ان تكون نتيجة كشف مثل هذاالتاريخ غير اضعاف سلطان هذه العائلة وسلب شرعيتها.

  ليس هذا فحسب، بل ان الحديث عن السيرة النبوية يعني، من جانب آخر، تعزيز دور اعداء بني امية (بنو هاشم) وعلى راسهم علي بن ابي طالب علیه السلام. محمد صلی الله علیه وآله وسلم وعلي قرينان لا يذكر احدهما الا يذكر الاخر. فاي غزوة من غزوات النبي لم يكن لعلي دور القائد فيها واي موقف مر به رسول اللّه صلی الله علیه وآله وسلم ولم يكن علي الى جانبه.

  كل ذلك دعا بني امية الى الوقوف بحزم ازاء اية محاولة لتدوين السيرة، واستمروا على هذا الموقف الى ايام عبد الملك بن مروان، فقد شعروا، آنذاك، بخلو الساحة من الشهودالعدول من صحابة رسول اللّه صلی الله علیه وآله وسلم الذين يسعهم كشف التزوير وفضح الاكاذيب التي كان يخطط لها الحكم الاموي. فعدلوا عن منع الكتابة وعملدوا الى الكتابة بالطريقة التي تكرس سلطانهم وتدعم كيانهم جاء في رواية ينقلها الزبير بن بكار في كتابه ((الموفقيات)): ((قدم علينا سليمان بن عبد الملك)) (خلافته بين عامي 96 99 ق) حاجا سنة اثنتين وثمانين، وهو ولي عهد، فمر بالمدينة، فدخل عليه الناس، فسلموا عليه، وركب الى مشاهد النبي صلی الله علیه وآله وسلم التي صلى فيها، وحيث اصيب اصحابه باحد، ومعه ابان بن عثمان وعمر بن عثمان، وابو بكر بن عبداللّه بن ابي احد، فاتوا به قباء، ومسجد الفضيخ، ومشربة ام ابراهيم، واحد، وكل ذلك يسالهم، ويخبرونه عما كان، ثم امر ابان بن عثمان ان يكتب له سيرة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ومغازيه، فقال ابان: هي عندي قد اخذتها مصححة ممن اثق به، فامر بنسخها، والقى فيها جالى ج عشرة من الكتاب، فكتبوهافي رق، فلما صارت اليه نظر فاذا فيها ذكر الانصار في العقبتين، وذكر الانصار في بدر، فقال: ما كنت ارى لهؤلاء القوم هذا الفضل، فاما ان يكون اهل بيتي غمصوا عليهم، واماان يكونوا ليس هكذا. فقال ابان بن عثمان: ايها الامير، لا يمنعنا ما صنعوا بالشهيد المظلوم، من خذلانه، ان نقول بالحق: هم على ما وصفنا لك في كتابنا هذا. قال: ما حاجتي الى ان انسخ ذاك حتى اذكره لامير المؤمنين، لعله يخالفه، فامر بذلك الكتاب فخرق. وقال: اسال امير المؤمنين اذا رجعت، فان يوافقه، فما ايسر نسخه، فرجع سليمان بن عبدالملك فاخبر اباه بالذي كان من قول ابان، فقال عبد الملك: وما حاجتك ان تقوم بكتاب ليس لنا فيه فضل، تعرف اهل الشام امورا لا نريد ان يعرفوها.

  قال سليمان: فلذلك ياامير المؤمنين، امرت بتخريق ما كنت نسخته حتى استطلع راي امير المؤمنين. فصوب رايق)).

  وكان عبد الملك يثقل عليه ذلك، ثم ان سليمان جلس مع قبيصة بن ذؤيب، فاخبره خبر ابان بن عثمان، وما نسخ من تلك الكتب، وما خالف امير المؤمنين فيها، فقال قبيصه:لولا ما كرهه امير المؤمنين، لكان من الحظ ان تعلمها وتعلمها ولدك واعقابهم، ان حظ امير المؤمنين فيها لوافر، ان اهل بيت امير المؤمنين لاكثر من شهد بدرا، فشهدها من بني عبد شمس ستة عشر رجلا من انفسهم وحلفائهم ومواليهم، وحليف القوم منهم، ومولى القوم منهم، وتوفي رسول اللّه صلی الله علیه وآله وسلم وعماله من بني امية اربعة: عتاب بن اسيد على مكة،وابان بن سعيد على البحرين، وخالد بن سعيد على اليمن، وابو سفيان بن حرب على نجران، عاملا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ولكني رايت امير المؤمنين كره من ذلك شيئا، فما كره فلا تخالفه. ثم قال قبيصة: لقد رايتني وانا وهو يعني عبد الملك وعدة من ابناء المهاجرين، مالنا علم غير ذلك حتى احكمناه، ثم نظرنا بعد في الحلال والحرام.

  فقال سليمان: يا ابا اسحاق، الا تخبرني عن هذا البغض من امير المؤمنين واهل بيته لهذا الحي من الانصار وحرمانهم اياهم، لم كان؟ فقال: يا ابن اخي، اول من احدث ذلك معاوية بن ابي سفيان، ثم احدثه ابو عبد الملك، ثم احدثه ابوك. فقال: علام ذلك؟ قال: فواللّه ما اريد به الا لاعلمه واعرفه.

  فقال: لانهم قتلوا قوما من قومهم، وما كان من خذلانهم عثمان رضي اللّه عنهم فحقدوه عليهم، وحنقوه وتوارثوه، وكنت احب لامير المؤمنين ان يكون على غير ذلك لهم، وان اخرج من مالي، فكلمه. فقال سليمان: افعل واللّه. فكلمه وقبيصة حاضر، فاخبره قبيصة بما كان من محاورتهم. فقال عبد الملك: واللّه ما اقدر على غير ذلك فدعونا من ذكرهم،فامسكت القوم2.

  وفي رواية اخرى ينقلها ابو الفرج الاصفهاني (284  ـ 362 ق) قال: ((قال المدائني، في خبر خالد بن عبداللّه القسري:

  اخبرني ابن شهاب ان خالدا هذا قال له: اكتب لي النسب،فبدات بنسب مضر وما اتممته فقال: اقطعه، قطعه اللّه مع اصولهم، واكتب لي في السيرة فقلت له: فانه يمر بي الشيء عن سيرة ((علي بن ابي طالب))، صلوات اللّه عليه، فاذكره.فقال: لا الا ان تراه في قعر الجحيم))3.

  وهكذا فرض على المؤرخين ان ينهجوا في كتابتهم لتاريخ صدر الاسلام النهج الذي يرضي الحكم الاموي ويتفق مع اهدافه ومخططاته. وصارت السيرة النبوية بالذات ميدانالهذا العمل الشنيع لانها مصدر الشرعية وميزان الصح والخطا، ليس للاعمال فقط، وانما للافكار كذلك، وهذا ما جعلها هدفا لموجة اخرى من التحريف قام بها اصحاب المذاهب والفرق الضالة هرعوا جميعا يلتمسون في السيرة النبوية ما يؤيد مذهبهم ويشهد على صحة عقيدتهم. فان وجدوا فيها ذلك اخذوا ما وجدوه، والا عمدوا اما الى تفسيرالاحاديث او المواقف النبوية التفسير الذي يحلو لهم او الى وضع المرويات الكاذبة والاخبار المختلفة. يقول الشيخ محمد الغزالي: ((المسلمون لم يؤذوا من الاحاديث الموضوعة قدر ما اوذوا من الاحاديث التي اسيء فهمها واضطربت اوضاعها))4.

  واذا كان هم المؤرخين الاوائل (اي جيل التابعين)، هو النقل والرواية فان هم الجيل الثاني، امثال عاصم بن عمر بن قتادة (120 ق) وابن شهاب الزهري (124 ق) وابن اسحاق (152 ق) هو الجمع والتبويب دون نقد او تمحيص. وهذا وفر الفرصة للروايات الموضوعة او الضعيفة ان تجد طريقا الى مصنفاتهم، ومن ثم تنتقل الى الاجيال القادمة حتى جاء دور الجيل الثالث الذي يقف ابن هشام في مقدمته. فانقسم فريقان:

  فريق اشتغل بشرح كتب الاولين والتعليق عليها وفريق آخر اراد ان يعط ي لنفسه صفة المؤلف المبتدع، فحاول ان يخرج مما اجتمع بيده من كتب السيرة بكتاب جديد فيه حذف واضافة لم يذكر اسبابها والمبررات التي حملت عليها. ولا يسع الباحث المدقق ان يطمئن لدوافع تلك التدخلات، خصوصا مع وجود قرائن خارجية تتعلق بعصرالكاتب واخرى داخلية تخص طبيعة الكاتب وموقفه السياسي ومذهبه العقائدي تدعو الى خلاف ذلك. من هؤلاء ابن هشام ( 152 ق) الذي روى سيرة ابن اسحاق ومن تاخرعنه امثال ابن فارس ( 395 ق) وابن سيد الناس البصري الشافعي (المولود سنة 661 ق) وغيرهم كثير.

مناهج المستشرقين

  اما المستشرقون فقد كان لهم منهجهم الخاص، سواء في قراءتهم للسيرة ام في كتابتهم عنها. وكانوا، في اغلب الاحيان، مسيئين لها اما عن قصد او نتيجة لمنهج خاط ىء جرهم الى الاساءة والظلم. ومن ابرز امثلة النوع الاول المستشرق الانكليزي اشبرنجر5 الذي الف كتابا بعنوان ((محمد وتعاليمق)) القى فيه غثاء لا يطاق وهذيانا بعيداعن الذوق والنزاهة.

  فزعم ان النبي صلی الله علیه وآله وسلم كان مصابا بهستيريا الاعصاب وهستيريا الراس التي تؤدي كما يقول الى السقوط على الارض واحمرار الوجه وصعوبة النفس والشخير ويمضي((شبرنجر)) في هذيانه الى ان يعقد مقارنة بين صاحب الرؤية السويدي ((اسويد بنورخ)) وبين محمد  صلی الله علیه وآله وسلم في مسالة رؤية جبريل علیه السلام.

  ومن الغريب الملفت اننا نجد هذا المستشرق، في الوقت الذي يشن فيه هجوما مسعورا على النبي صلی الله علیه وآله وسلم، يطري ابا بكر وعمر ويمتدحهما، بل ويحاول ان ينسب اليهما فضائل جرد الرسول صلی الله علیه وآله وسلم منها:

  يقول، مثلا، عن ابي بكر انه: ((استخدم الوسائل التي كان واجبا وممكنا للنبي ان يستخدمها لاخضاع العرب فعلا وحقا، لا بحسب الظاهر فحسب. ولولا تصرف ابي بكر الحازم لكان الاسلام قد انحل، او لبقي مجرد فرقة دينية لا اهمية لها))6.

  ويقول عن عمر: ((عمر هو المؤسس الحقيقي للدولة الاسلامية وفي نظري ان عمر اسمى من النبي في كل ناحية. فهو خلو من كل الوان الضعف والتساهل التي وصمت اخلاق الاخير وكان رجلا مملوءا بالجد والعزم الرجوليين. وبعد وفاة النبي استطاع الظفر بثقة كل الاطرف وكل القبائل بفضل ايثاره وصراحته وسلامة نظرته. وكانت كلمته هي كلمة الجميع. واثناء حياة النبي ادى من الخدمات لانتصار الاسلام، بل ولطهارة تعاليمه اكثر من محمد نفسق)).

  ويمضي قائلا: ((وقد صان معلمه من الوقوع في اخطاء فاحشة بفضل اقدامه الحازم وكان لعقله الفائق تاثير متواصل على نفسية محمد الضعيفة الهستيرية))7.

  ومن الجدير بالذكر ان ((اشبرنجر)) هذا قد عاش في العراق ومصر والشام ما يقارب 13 عاما، اضافة الى انه كان يتقن العربية، لكن ذلك كله لم يكد يقضي على سورة الحقدفي نفسه.

  لجا بعض المستشرقين الى الكذب الصريح الذي ياباه الانسان العادي، فضلا عن الباحث المحقق، سعيا وراء تشويه صورة الاسلام ونبيه.

  احد هؤلاء الراهب البلجيكي لامنس 8 الذي تعلم في الكنيسة اليسوعية في بيروت، والف في السيرة النبوية ما لا يقل عن عشرة كتب منها:

  1 ـ مهد الاسلام. 2 ـ عصر محمد وتاريخ السيرة. 3 ـ هل كان محمد امينا؟. 4 ـ القرآن والسنة، كيف الفت حياة محمد؟. 5 ـ فاطمة وبنات محمد، تعليقات نقدية لدراسة السيرة.

 

  ظهر لامنس، في هذه الكتب جميعها، مظهر المتحامل الذي يدرس التاريخ لياخذ منه ادلة على صحة خلفياته، وليستعين به على تحقيق هدف كان قد وضعه مسبقا. اعتبرلامنس ان كتب السيرة جميعها موضوعة من اجل تحقيق غايات معينة هي تمجيد النبي(ص). وانتهى الى سيل من الاتهامات والنتائج التي لم يقم عليها دليل من عقل اونقل.

  يقول الدكتور عبد الرحمن بدوي في جانب من ترجمته له.

  ((وابشع ما فعله لامنس، خصوصا في كتابه ((فاطمة وبنات محمد)) هو انه كان يشير في الهوامش الى مراجع بصفحاتها وقد راجعت معظم هذه الاشارات في الكتب التي احال اليها، فوجدت انه اما ان يشير الى مواضع غير موجودة اطلاقا في هذه الكتب او يفهم النص فهما ملتويا خبيثا او يستخرج الزامات بتعسف شديد يدل على فساد الذهن وخبث النية))9.

  وفي كتابه ((دراسات عن حكم الخليفة الاموي معاوية الاول)) 1907، لم يدخر لامنس وسعا في الدفاع عن معاوية وتمجيد الامويين جميعا بدافع لا يمكن ان يكون الاالحقد على الاسلام، وتحول فجاة من ناقد خبيث يجد لكل حق باطلا الى مسوغ غبي سوغ جرائم الامويين جميعها وخاصة جرائم يزيد بن معاوية.

  ولا نجد اننا بحاجة الى الاستعداد في ذكر هذه النماذج والامثلة على ذلك النهج العدواني الذي هيمن على اصحابه الحقد حتى اعماهم عن ملاحظة اوضح الدلائل، وساقهم الغضب والتهور حتى اخرجهم عن الحد الطبيعي.

  ولكن يبدو ان هذا النهج، في معالجة السيرة والدراسات الاسلامية بوجه عام، بدا ينحسر في الغرب ليفسح المجال امام دراسات اكثر علمية وموضوعية، لكنها ربما لا تقل ضررا عن سابقتها. وقد لا تكون الاضرار هنا ناتجة عن قصد الاساءة وخبث النية وانما هي نتيجة طبيعية لطبيعة المنهج الذي سلكوه في ابحاثهم والذي ساد الساحة الاوروبية بعد ((عصر النهضة)).

  ومن طبيعة هذا المنهج انه احادي النظرة والاتجاه ينظر بعين واحدة لجميع الظواهر التي يواجهها سواء كانت طبيعية ام انسانية ام دينية. فكل ما حققه الفكر الغربي في الانتقال من حالة العداء في تناول الشؤون الاسلامية الى الحالة الموضوعية هو انه اصبح يتناول حياة محمد صلی الله علیه وآله وسلم وسائر الانبياء كما يتناول حياة زرادشت وكنفوشيوس، وباقي العظماءفي التاريخ.

  لقد جرت دراسات المستشرقين في مجال التاريخ، على تتبع الحادثة تاريخيا وملاحظة القرائن التي تحفها فان عثروا على اثر لها في مجرى التاريخ، ووجدوا من الدلائل مايؤيد وقوعها طبقا لمقاييسهم الخاصة آمنوا بها واثبتوها في تواريخهم، والا فانها مفتعلة او على الاقل غير ثابتة لدليل البرهان.

  واذا ما طبق هذا المنهج على الظواهر الدينية ومنها السيرة النبوية، فسيكون غير قادر على اعطاء الصورة الحقيقية لتلك الظاهرة، مهما كانت الدراسة موضوعية وعلمية. ذلك لان الظواهر الدينية ليس مجرد نتاج انساني يمكن ملاحقة تقلبه في مجرى التاريخ وتسجيل احواله على ضوء تحولاته في ظرف المكان والزمان فنصدق ما يسجله التاريخ،ونكذب ما لم يسجله.

  فللسيرة النبوية كما لسائر الظواهر الدينية بعدا غيبيا يتصل باللّه.

  وهذا البعد لا يمكن حسابه، اولا، بادوات التاريخ، ولا سبيل لاكتشافه، بمجسات لا تتحسس سوى المسائل المادية.

  وثانيا، هو لا يخضع، في حركته، لتاثيرات الزمان والمكان، ولا ينطبق عليه قانون الحركة والسيلان الذي يحكم كل الظواهر الكونية. اذ يصعب على المستشرق تصديق مسالة الاسراء والمعراج والتسليم بعروج النبي صلی الله علیه وآله وسلم الى السماء ما لم يجد دليلا ماديا على ذلك، بالصورة التي لا يكون فيها خرق لقوانين الطبيعة. وهناك مسائل اخرى مثيرة نجدالمستشرقين قد حاروا في تفسيرها بعد ان عجزوا عن نفيها تاريخيا. فمرة ينسبونها الى الرؤيا في المنام واخرى الى الهستيريا وثالثة الى شيء آخر دون ان يكون لهم دليل على ما ذهبوا اليه، انما اضطروا الى ذلك اضطرارا بعد ان اوصدوا على انفسهم ابواب الغيب واسقطوا من حساباتهم البعد الاخر غير التاريخي في مثل هذه القضايا.

الاجواء التي احاطت بكتابة السيرة

  هذه هي الاجواء التي احاطت بكتابة السيرة النبوية: اجواء ملبدة بالسحب حتى لتكاد الرؤيا تنعدم سواء في الجانب الاسلامي او الجانب الاخر. فعلى الجانب الاسلامي ينقل عن البخاري قوله انه الغى الاحاديث المتداولة، وهي تربو على ستمئة الف حديث لم يصح لديه منها اكثر من اربعة آلاف10 وما صححه البخاري وغيره كانت محل تامل وتمحيص من آخرين. هذا فضلا عن منهج التدوين الذي اعتمد على سرد الحوادث طبقا لعمود الزمان دون مراعاة للعلاقة بينها ووحدة الموضوع التي تجمعها. فكثيرا مايسيء هذا الانتشار والتوزيع الى الصورة النهائية التي تهدف اليها السيرة النبوية.

  اما المستشرقون فهم اعجز كما عرفنا قبل قليل من ان يصلوا الى الصورة الواقعية للسيرة النبوية، فضلا عن عدم قدرتهم على عرضها عرضا موضوعيا خاليا من الاساءة والتشويه.

  لهذا، تجدنا اليوم بامس الحاجة الى دراسة السيرة النبوية دراسة جديدة تستهدف تفجير المعاني التربوية والاجتماعية في حياة نبينا صلی الله علیه وآله وسلم، لتكون لنا اسوة في حل ما يواجهنا من مشاكل وعونا على تجاوز تحديات العصر واختراقاته.11

  ومن الطبيعي ان يتغير منهجنا في البحث، تبعا لتغير طبيعة لاهداف المتوخاة من الدراسة. بعبارة اخرى، اننا نحتاج الى قراءة السيرة المطهرة قراءة جديدة تختلف عن قراءة ابن اسحاق او ابن هشام او السهيلي او غيرهم.  



  

2. الزبیر بن بکار الموفقیات، ص 331 ـ 334.

3. أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني، ج 19، ص 59.

4. فقه السیرة، ص 38.

5. له کتاب «عیون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسیر».

6. ولد في النمسا عام 1813، وتوفي في المانیا 1881.

7. حیاة محمد وتعالیمه، ص ص ـ هـ .

8. حیاة محمد وتعالیمه، ص هـ ـ و .

9. ولد في بلجیکا عام 1862. وجاء إلی بیروت في صباه، وتعلم في الکلیة الیسوعیة في بیروت، بعد أن قضی حیاة الرهبنة في دیر للیسوعیین في جبل لبنان. درس الخطابة واللغات، وعمل کأستاذ للتاریخ الإسلامي في «معهد الدراسات الشرقیة» في بیروت. راجع موسوعة المستشرقین للدکتور عبد الرحمن بدوي.

10. راجع موسوعة المستشرقین، ص 504.

11. محمد حسین هیکل، حیاة محمد، ص 40.

 

المصدر: مجلة المنهاج / الرقم  2.    1. محمد بیومي مهران، مقدمة السیرة النبویة الشریفة، ص 15.

Copyright © 2009 The AhlulBayt World Assembly . All right reserved