يجري التحميل
  • التاريخ : السبت 8 رجب 1432

فدك نحلة أم إرث ؟!!


           

فدك نحلة أم إرث ؟!!


* مقدمة :

قد ترد أحياناً بعض التساؤلات و الإشكالات في مسألة فدك التي مُنعت منها الزهراء - عليها السلام - على يد الخليفة الأول بعد وفاة النبي - صلى الله عليه و آله و سلم - مباشرة . و من هذه التساؤلات التي تُطرح : قضية أن فدك نحلة(1) أم إرث للزهراء - عليها السلام - ؟ و قد يحاول البعض إضعاف موقف الزهراء - عليها السلام - بالقول أنها كانت مضطربة في طلب حقها فتارة تدعي أن فدك نحلة أعطاها إياها رسول الله - صلى الله عليه و آله و سلم - قبل وفاته ، و تارة تقول أنها ميراث من رسول الله - صلى الله عليه و آله و سلم . فمن هذا المنطلق يحاول البعض أن يوهم بعدم صحة مطالبة الزهراء - عليها السلام بحقها و أن يثير بعض الغبار على هذه القضية.

و نحن في هذا البحث البسيط نريد أن نثبت أن فدك كانت نحلة للزهراء - عليها السلام - من أبيها - صلى الله عليه و آله و سلم - أعطاها إياها قبل وفاته ، و نوضح الأسباب التي دعت الزهراء - عليها السلام - للمطالبة بحقها في بعض الأحيان على أنه ميراث من أبيها - صلى الله عليه و آله و سلم - .

 

* النصوص التاريخية تبين بصراحة أن فدك كانت نحلة :

نجد في العديد من النصوص التاريخية ما يؤكد أن فدك نحلة للزهراء - عليها السلام - بصراحة و بلا غموض ، و أن النبي - صلى الله عليه و آله و سلم - قد أعطاها إياها خالصة قبل وفاته . و نذكر الآن بعض هذه النصوص على سبيل المثال لا الحصر :

-1    يروي صاحب مجمع الزوائد في تفسير "قوله تعالى (و آت ذا القربى حقه) عن أبي سعيد الخدري قال لما نزلت (و آت ذا القربى حقه ) دعا رسول الله صلى الله عليه و سلم فاطمة فأعطاها فدك" (2) .

-2    رسالة أمير المؤمنين علي - عليه السلام - إلى عثمان بن حنيف : التي يقول فيها : "بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء فشحت عليها نفوس قوم و سخت عنها نفوس آخرين"(3) . ففي هذا الكلام تصريح من أمير المؤمنين - عليه السلام - أن فدك كانت في أيديهم قبل أن يستولي عليها أبو بكر و عمر مما يعني أنها لم تكن ميراثا بل هي نحلة .

-3    الواقعة التاريخية المشهورة التي تنقل عن احتجاج الزهراء - عليها السلام - على أبي بكر لما استولى على فدك ، و أنها جاءت بعلي - عليه السلام - و أم أيمن - رضي الله عنها - و شهدا أن فدك نحلة نحلها رسول الله - صلى الله عليه و آله و سلم - ، و هناك العديد من الروايات التي تذكر هذه الحادثة ، و أذكر هذه الرواية التي يرويها أبو بكر الجوهري : "قال أبو بكر : و أخبرنا أبو زيد قال : حدثنا محمد بن عبد الله ابن الزبير قال : حدثنا فضيل بن مرزوق قال : حدثنا البحتري بن حسان قال : قلت لزيد بن علي عليه السلام و أنا أريد أن أهجن أمر أبي بكر : إن أبا بكر انتزع فدك من فاطمة عليها السلام ، فقال : إن أبا بكر كان رجلا رحيما ، و كان يكره أن يغير شيئا فعله رسول الله صلى الله عليه و آله ، فأتته فاطمة فقالت : إن رسول الله صلى الله عليه و آله أعطاني فدك ، فقال لها : هل لك على هذا بينة ؟ فجاءت بعلي عليه السلام ، فشهد لها ، ثم جاءت أم أيمن فقالت : ألستما تشهدان أني من أهل الجنة ؟ قالا : بلى - قال أبو زيد : يعني أنها قالت لأبي بكر و عمر - قالت : فأنا أشهد أن رسول الله صلى الله عليه و آله أعطاها فدك ، فقال أبو بكر : فرجل آخر أو امرأة أخرى لتستحقي بها القضية . ثم قال أبو زيد : و أيم الله لو رجع الأمر إلي لقضيت فيها بقضاء أبي بكر" (4) .

-4    الزهراء - عليها السلام - تصرح بأن فدك نحلة في خطابها مع زوجها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - عليه السلام - في شكواها الشهيرة إليه ، و التي تقول فيها : "يا بن أبي طالب اشتملت شملة الجنين و قعدت حجرة الظنين ، نقضت قادمة الأجدل ، فخانك ريش الأعزل ، هذا ابن أبي قحافة يبتزني نحيلة أبي و بلغة إبنيّ" (5). فهنا نجد تصريحا واضحا من الزهراء - عليها السلام بأن فدك كانت هبة و نحلة من رسول الله - صلى الله عليه و آله و سلم و ليست ميراثا .

-5    كلام الزهراء - سلام الله عليها - لعائشة بنت طلحة : حيث دخلت عليها عائشة يوما فرأتها باكية فسألتها عن سبب بكائها فأجابت الزهراء - عليها السلام - : "أسائلتي عن هنة حلق بها الطائر ، و حفي بها السائر و رفع إلى السماء أثرا ، و رزئت في الأرض خبرا ، إن قحيف تيم و أحيوك عدي جاريا أبا الحسن في السباق ، حتى إذا تقربا بالخناق ، أسرا له الشنآن ، و طويا الإعلان . فلما خبا نور الدين و قبض النبي الأمين ، نطقا بفورهما ، و نفثا بسورهما ، و أدلا بفدك ، فيا لها لمن ملك ، تلك أنها عطية الرب الأعلى للنجي الأوفى . و لقد نحَلنيها للصبية السواغب من نجله و نسلي ، و أنها ليعلم الله و شهادة أمينه ، فإن انتزعا مني البلغة ، و منعاني اللمظة ، و احتسبتها يوم الحشر زلفة ، و ليجدنها آكلوها ساعرة حميم في لظى جحيم" (6). و هنا كما هو واضح تبين الزهراء - عليها السلام - أن أبا بكر و عمر اغتصبا منها فدك مع كونها عطية من الله تعالى لرسوله  الكريم - صلى الله عليه و آله - الذي وهبها لابنته الزهراء - عليها السلام - لتكون مصدرا لرزقها و رزق بنيها .

و بالطبع فهذه النصوص الصريحة تؤكد أن فدك كانت نحلة للزهراء - عليها السلام - و لم تكن ميراثا ، و كما ذكرت في البداية فهذه النصوص إنما هي قليل من كثير و غيض من فيض و إنما جئت بها على سبيل المثال لا الحصر .

 

* الدليل على أن فدك ليست ميراث :

أن فدك لو كانت ميراثا من رسول الله - صلى الله عليه و آله و سلم - لما جاز للزهراء - عليها السلام - أن تختارها و تطالب بها بعينها ، لأن الميراث يُقسم بحسب الحصص و لا يجوز أن يختار أحد الورثة شيئا معينا ليرثه دون البقية ، و الزهراء - عليها السلام - لا يمكن أن تكون جاهلة بمثل هذا الحكم الشرعي المعروف - حاشا لله - و هي من تربت في بيت الرسالة و مهبط الوحي الأمين ، إذن فالزهراء - عليها السلام - لم تعتقد يوما أن فدك ميراث و إنما هي طالبت بها كميراث لأسباب سنذكرها فيما يلي .

 

* لماذا طالبت الزهراء -عليها السلام - بفدك على أنها ميراث ؟ :

روى لنا التاريخ أن الزهراء - عليها السلام - قد طالبت أحيانا بفدك على أنها ميراثها من أبيها رسول الله - صلى الله عليه و آله و سلم - ، و من جملة تلك المطالبات ما قد روي عنها في خطبتها الشهيرة في مسجد رسول الله - صلى الله عليه و آله و سلم - و التي طالبت فيها بفدك على أنها إرث و احتجت على أبي بكر بآيات من القرآن الكريم ، و مما قالته الزهراء - عليها السلام - في هذه الخطبة : "و أنتم الآن تزعمون أن لا إرث لنا" و قالت: "أيها المسلمون أأغلب على إرثي؟ يا بن أبي قحافة أفي كتاب الله ترث أباك و لا أرث أبي لقد جئت شيئا فريا" و قالت أيضا : "و زعمتم أن لا حظوة لي و لا أرث من أبي"(7) و غيرها العديد من المواضع التي تطالب الزهراء - عليها السلام - بفدك على أنها إرث . فلماذا فعلت الزهراء - عليها السلام - ذلك ؟ و هل يتعارض ذلك مع الروايات التي قدمناها و التي تثبت أن فدك نحلة و ليست ميراثا ؟ و كيف نفسره و نحن نعلم يقينا أن فدك نحلة بدليل الوقائع التاريخية و الروايات التي قدمناها .

 الجواب :-

لا تعارض بين هذه الروايات و بين الروايات التي تثبت أن الزهراء - عليها السلام - طالبت بفدك على أساس أنها نحلة من أبيها - صلى الله عليه و آله و سلم - ، حيث أن فدك كانت في يد الزهراء - عليها السلام - منذ أيام أبيها - صلى الله عليه و آله و سلم - ، و بعد وفاته استولى عليها أبو بكر و أخذها من الزهراء - عليها السلام - ، فاحتجت الزهراء - عليها السلام - و جاءت بعلي - عليه السلام - و أم أيمن - رضي الله عنها - ليشهدا أن الرسول - صلى الله عليه و آله و سلم - أعطى الزهراء - عليها السلام - فدك قبل وفاته ، و هنا رفض أبو بكر ذلك و رد شهادتيهما مدعيا عدم ملكية الزهراء - عليها السلام - لفدك . و هنا أرادت الزهراء - عليها السلام - أن تغلق جميع الطرق على مغتصبي حقها فطالبت بها على أنها إرث من رسول الله - صلى الله عليه و آله و سلم - فكأنها تقول إن لم تعتبروها نحلة فاعتبروها ميراثا على الأقل و أعطوني حقي ، أي أن الزهراء - عليها السلام - تقول لهم افرضوا جدلا أن النبي - صلى الله عليه و آله و سلم - لم يعطني فدك ، إذن فهي جزء من تركته و يلزم أن تورث ، و مع ذلك فقد منعاها من ذلك و اختلقا حديثا بأن الرسول - صلى الله عليه و آله و سلم - قال أن الأنبياء لا يورثون.  إذن فالزهراء - عليها السلام - لم تكن تعتقد بأن فدك ميراث و إنما طالبت به على هذا الأساس فقط لتفضح ادعاءات الغاصبين و لتبين أنهم ما كانوا ليعطوها حقها بأي حال من الأحوال .

 

* الخلاصة:

أن فدك هبة (نحلة) وهبها رسول الله - صلى الله عليه و آله و سلم - لابنته الزهراء - عليها السلام - في حياته و بقيت في حوزتها إلى ما بعد وفاته حيث استولى عليها أبو بكر و نفى ملكية الزهراء - عليها السلام - لفدك ، فاحتجت الزهراء - عليها السلام - و أتت بشهود على ذلك لكن أبا بكر لم يقبل ، و لفضحهم و كشف نواياهم طالبت الزهراء - عليها السلام - بفدك على أنها إرث و مع ذلك لم يعطوها شيئا و غصبوا فدك كلها ، و لسوف يجدونها كما قالت - سلام الله عليها - : "ساعرة حميم في لظى جحيم" . و سيعلم الذين ظلموا آل محمد أي منقلب ينقلبون .

 

بنت من أم من حليلة من *** ويل لمن سن ظلمها و أذاها

 

* هوامش :

-1 النحلة هي الهبة و العطية عن طيبة نفس .

-2 مجمع الزوائد للهيثمي . و قد ذكر هذا الحديث في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : عند شرحه لرسالة أمير المؤمنين إلى عثمان بن حنيف .

-3 نهج البلاغة :من كتاب الإمام علي - عليه السلام - إلى عثمان بن حنيف والي البصرة .

-4 شرح نهج البلاغة  لابن أبي الحديد : عند شرحه لرسالة أمير المؤمنين إلى عثمان بن حنيف . و روى هذه الرواية أيضا السمهودي في كتابه وفاء الوفا : جـ3 ، صـ 1000-1001 . و قد ذكرت شهادة أم أيمن و أمير المؤمنين في عدة روايات أخرى في المصدرين السابقين و إنما اقتصرت على هذه للإختصار فراجع ..

-5 مناقب ابن شهراشوب ج1 ، البحار ج43 ، الاحتجاج ج1 ، كشف الغمة ج1 ، شرح النهج ج16 ، أعلام النساء ج3 ، المناقب ج2 .

-6 أمالي الطوسي ، عنه البحار 8/99 ، و وفاة الصديقة الطاهرة للمقرم: 107 .

-7 مقاطع من خطبة الزهراء - عليها السلام - الشهيرة في مسجد النبي - صلى الله عليه و آله و سلم - .

Copyright © 2009 The AhlulBayt World Assembly . All right reserved