يجري التحميل
  • التاريخ : الثلاثاء 8 ربيع الاوّل 1432

الادغام


           

إنّ باب الإدغام يرتبط ارتباطًا وثيقًا بثقل تتابع حرفين من نفس المخرج أو من مخرجَين مقاربين، ويعتبر الإدغام هو واحد من أساليب التخفيف في اللغة العربيّة، وهو من المواضيع الهامّة في التجويد.

تعريف الإدغام:

لغة: هو إدخال الشَّيْء في الشَّيْء، واصطلاحًا: هو التقاء حرف ساكن بحرف متحرِّك بحيث يصيران حرفًا واحدًا مشدَّدًا من جنس الثَّاني، يرتفع به اللِّسان ارتفاعة (مرّة) واحدة.

شرط الإدغام:

شرطه يتّضح مِنَ التعريف، وهو أن يكون الحرف الأوّل (المدغَم) ساكنًا، والحرف الثاني (المدغَم فيه) متحرّكًا.

أقسام الإدغام:

يمكن تقسيم الإدغام إلى ثلاثة أقسام من حيث حركة المدغم (الحرف الأوّل) والمدغم فيه (الحرف الثاني) كما يأتي:

1- إدغام صغير: وهو أن يكون المدغَم ساكنًا، والمدغَم فيه متحرِّكًا. وسمِّيَ صغيرًا لأنَّ الجهد المبذول في عمليَّة الإدغام صغير، بمعنى أنَّ الحرف الأوَّل ساكن مهيَّء للإدغام، مثل إدغام العين في العين مِن قوله تعالى: ﴿تَسْطِع عَّلَيْهِ﴾.

2- إدغام كبير: وهو أن يكون المدغَم متحرِّكًا، والمدغم فيه متحرِّكًا. وسمِّيَ كبيرًا لأنَّ عمليَّة الإدغام في هذا النوع تستهلك جهدًا كبيرًا، حيث أنَّه يلزم تسكين المدغَم أوّلاً حتَّى يستوفي شرط الإدغام ثمَّ تتمُّ عمليَّة إدغامه. مثل إدغام اللام في اللام مِن قوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾ فأوَّل عملٍ نقوم به هو إسكان اللاَّم ثمَّ الإدغام فتصبح قراءتها (جَعَلَّكُم).

3- إدغام مطلق: وهو أن يكون المدغَم متحرِّكًا، والمدغَم فيه ساكنًا. ومثال ذلك:﴿إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ﴾ فواضح أنَّ السين الأولى متحرِّكة والثانية ساكنة (بعد حذف الهمزة الوصليَّة في الدرْج). وسمِّيَ مطلقًا على اعتبار أنَّه لا يمكن نسبته إلى الإدغام الكبير أوِ الصغير، علاوة على أنَّ جميع القرّاء اتِّفقوا على امتناع هذا القسم مِن الإدغام.

والإدغام في رواية حفص عن عاصم هو الصَّغير لا غير(1).



أنواع الإدغام:

الإدغام مِنْ حيث بقاء صفة المدغَم في المدغَم فيه نوعان:

1- إدغام تامُّ: وهو إدراج الحرف الأوّل في الحرف الثاني مخرجًا وصفة، أو هو عدم إبقاء صفة المُدغَم في المدغَم فيه. ويعرف هذا النوع مِن الإدغام في رسم المصحف عن طريق تشديد الحرف المدغم فيه، وخلوّ المدغم مِن الحركة، مثل إدغام حرف (ل) في الحرف (ر) في: ﴿بَل رَّفَعَهُ﴾.


2- إدغام ناقص: وهو إدارج الحرف الأوّل في الثاني مخرجًا لا صفة، أو هو أنْ تبقى صفة المدغَم في المدغَم فيه، وهذه الصِّفة الباقية لا تكون إلاَّ صفة إطباقٍ مثل: ﴿فَرَّطتُ﴾، أو استعلاءٍ مثل: ﴿نَخْلُقكُّم﴾، أو غنَّة مثل: ﴿مَن يَقُولُ﴾. وسيأتي الحديث عمَّا يدور في المثالين الأخيرين بالتفصيل في الدرس العشرين -إنْ شاء الله-.


أمَّا إذا كانت صفات أخرى كالتَّفشي، وعدم تقبُّل المدغم فيه لتلك الصفة هو الذي منع مِن بقائها.


ويعرَف الإدغام الناقص رسمًا عن طريق خلوّ الحرف المدغم مِن الحركة وتخفيف الحرف الثاني (خلوّه مِن التشديد) مثل إدغام حرف (ط) في الحرف (ت) مِن كلمة: ﴿بَسَطتَ﴾.


(1)وجه الإشمام في (تَأْمَنَّا) أو وجه الرَّوم وهما من خصوصيات حفص، يقلِّل كَوْنه إدغامًا كبيرًا، والذي ذهب إلى اعتباره إدغامًا كبيرًا الكثيرُ من كتب التجويد.

.
أسباب الإدغام:
للإدغام ثلاثة أسباب، وقُسّم اعتمادًا على سببه إلى ثلاثة أنواع كالتالي:

1- إدغام المتماثلَيْن: هو إدغام الحرفَيْن اللذَيْن اتَّفقا مخرجًا وصفة (أي أنَّ الحرف الأوَّل مثل الثَّاني) مثل إدغام الحرف (د) في: ﴿وَقَد دَّخَلُواْ﴾. ويكون الإدغام في هذا النَّوْع تامًّا لا محالة(1).

2- إدغام المتجانسَيْن: هو إدغام الحرفين اللذين اتَّفقا مخرجًا واختلفا صفة. ويأتي هذا النَّوْع تامًّا في ثلاثة مخارجٍ فقط؛ وهي مخارج رأس اللِّسان المنطقة الأكثر كثافة، حيث يخرج ما يقارب تسعة حروف، وهي كما يلي:

(أ) مخرج الحروف النَّطعيَّة (ط، د، ت):

اضغط على الصورة لرؤيتها بالحجم الطبيعي


3- إدغام المتقاربَيْن: هو إدغام الحرفَيْن اللذَيْن تقاربا مخرجًا أو صفة. وهذا يمكن تفصيله إلى ثلاثة أنواع فقد يكون مخرجًا لا صفة، أو صفة لا مخرجًا، أو مخرجًا وصفة. وحكمه ممتنع إلاّ في حالات ستُذكَر في موضعها بإذن الله.


(أ) متقاربان مخرجًا لا صفة: مثالهما في ﴿قَدْ سَمِعَ﴾ بين (د) و (س)، فالدَّال تخرج مِنْ رأس اللِّسان إذا اتَّصل بأصول الثَّنايا العليا، والسِّين إذا وقع رأس اللِّسان بين الثنايا السُّفلى والعليا ومقدّمته في أصول الثنايا العليا، ومعنى ذلك أنَّ الحرفَين متقاربان في المخرج. أمَّا تقارب الصِّفات فلا تقارب بينهما إذ أنَّ الصفات المشتركة تساوي الصفات غير المشتركة.


(ب) متقاربان صفةً لا مخرجًا: مثالهما في ﴿مِن وَالٍ﴾ بين (ن) و (و)، فالنُّون تخرج مِنْ طرف اللِّسان، والواو منَ الشَّفتين، فلا تقارب في المخرج. أمَّا الصِّفات فإنَّ الواو تشترك مع النون في ثلاث صفات مِن أصل خمس صفات، إذن ف (و) تتقارب مع (ن) في صفاتهما.


(ح) متقاربان مخرجًا وصفة: مثالهما في ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ﴾ بين (ت) و (ث)، فالتَّاء تخرج مِنْ رأس اللِّسان إذا اتَّصل مع أصول الثَّنايا العليا، والثَّاء تخرج مِنْ رأس اللِّسان إذا اتَّصل بأطراف الثَّنايا العليا، أي أنَّ الحرفَين تقاربا في المخرج. كما يمكن أنْ نستنتج تقاربهما في الصفات، إذ أنَّ هناك أربع صفات مشتركة بينهما.

لقد سبق الإشارة إلى أنَّ هذا النَّوع مِنَ الإدغام ممتنع، ويكون جائزًا في الحالات التَّالية:

1- مخرج اللاَّم، والرَّاء: وتدغَم اللاَّم في الرَّاء والعكس غَيْر صحيح، ومثال إدغام اللام في الراء: ﴿بَل رَّفَعَهُ﴾ عدا موضع السَّكت ﴿بَلْ رَانَ﴾ المطففين/14 إذ أنَّ السَّكتَ مثلُ التّنوين مانعٌ للإدغام لأنّهما فاصل بين المُدْغَم والمُدْغَم فيه. وإدغام اللام في الرّاء لا يكون إلاّ تامًّا. وذلك لشدّة تقارب الحرفَيْن صفة ومخرجًا، لا سيّما رأي الفرّاء ومن تبعه في أنّهما متجانسان.

2- مخرج القاف، والكاف:وجاءَت في موضعٍ واحدٍ، ﴿نَخْلُقكُّم﴾، وتدغم القاف في الكاف إدغامًا تامًّا أو ناقصًا (تبقى صفة الاستعلاء)، مع كون التَّامّ أوْلى(2).

3- لام (أل) الشَّمسيَّة مع الحروف الشَّّمسيَّة عدا اللاَّم – إذ فيها تماثل -: وتدغم اللاَّم في الحروف الشَّمسيَّة، مثل: ﴿وَالشَّمْسِ﴾. والتّقارب بَيْن الحروف قد يكون أحد الأنواع الثلاثة المذكورة مِنَ التقارب، وهي لِتقَارب المخرجِ أكثر، لأنَّ اللام – كما نعلم – أوسع المخارج فهي تلفّ لفّة كبيرة داخل الفم، فلهذا تستطيع أن تقتربَ مِنَ الحروف الشّمسيَّة.

4- النُّون في حروف الإدغام (يرملون) عدا النُّون – إذ فيها تماثل –:﴿مِن وَاقٍ﴾. ويمتنع الإدغام عند السّكت في ﴿مَنْ رَاقٍ﴾القيامة/27، وكذلك يمتنع إذا كانت النّون والمدغَم فيه في كلمة واحدة، ولم يأتِ في القرآن غير أربع كلماتٍ هي: ﴿قِنْوَانٌ﴾، ﴿صِنْوَانٌ﴾، ﴿بُنيَانٌ﴾، ﴿الدُّنْيَا﴾، لأنّ هذا الإدغام يخلق لبسًا بين المُدْغََم والمضاعف(3). وإظهار النُّون في هذه الكلمات الأربع يدعى بالإظهار المطلق. والإدغام في النُّون والميم إدغام تامّ بسبب أنّ الميم تتقارب مع النُّون في كلّ صفاتها.

كما يُضاف إلى هذه الأنواع الثّلاثة
إدغام المتباعدَيْن، والمتباعدان هما الحرفان اللذاْن ابتعدا مخرجًا بغضّ النظر عن علاقة الصفات بينهما.


(1) تجدر الإشارة إلى أنَّ وجه الإظهار مع السكت هو الوجه الأوْلى إذا كان السَّاكن الأوَّل هو هاء السَّكت، كما جاء في سورة الحاقة الآيتَيْن 28،29: مَالِيهْ {28} هَلَكَ ، حيث أنَّ هاء السكت هي عبارة عن كيفيّة خاصّة للوقف، لذا فإنَّ هاء السكت تعتبر مستثناة مِنَ الإدغام. كما أنَّ الكثير مِنَ المصادر تُشير إلى امتناع الإدغام إذا كان الحرف الأوَّل حرف مدَّ والثَّاني حرف عِلَّة، مثل: قَالُوا وَهُمْ . باعتبار أنَّ المتماثلين هما ما اتّفقا اسمًا ورسمًا، ولكنّ ما ذُكر في تعريف المتماثلَيْن إذ أنَّ المخرج في الأصل مغاير، فالواو الأولى مِنَ الجوف، والثَّانية مِنِ انضمام الشَّفتَيْن، ولكنّ الاستثناء جاء لكوْنهما متماثلَيْن اسمًا ورسمًا – كما ذكرنا -، بالإضافة إلى أنَّ هناك مِنَ المذاهب مَنْ ذهبَ إلى كَوْنهما مِنْ مخرجٍ واحد.



(1) ويمكن عَزْوُ سبب وجود الإدغام النّاقص إلى أنَّ حركة اللّسان عند نهايته تكون بسيطة إذا ما قورنَتْ عند الطرف - المكان الأكثر نشاطيّة -، ولكن على اعتبار أنَّ التّقارب واضح في الحرفَيْن مخرجًا وكذلك صفةً كان الإدغام التّام أولى، رغم وجود المزّية (وهي صفة الاستعلاء) لأنّ مخرج الكاف قريب مِنْ وضع الاستعلاء، فالاستعلاء هو ارتفاع أقصى اللِّسان، ومخرج الكاف أقصى الِّسان مع ما يحاذيه من الحنك الأعلى، إذن فإنَّ أقصى اللِّسان يرتفع قليلاً، الأمر الذي ينهي أمر هذه الصِّفة.



(2) لاحظ أنَّ إدغام النون في
﴿مَنْ رَاقٍ -إذا أدغمت- قد تحدث لبسًا ب "المرَّاق" –المضاعفة- وهو بائع المرق،
Copyright © 2009 The AhlulBayt World Assembly . All right reserved