• التاريخ : الثلاثاء 24 ذوالقعده 1431

الرسالة (30) وصية للإمام الحسن


           

من الوالد الفان. المقر للزمان، المدبر العمر، والمستسلم للدهر.

الذام للدنيا، الساكن مساكن الموتى. والظاعن عنها غدا. إلى‏المولود المؤمل ما لا يدرك، السالك سبيل من قد هلك، غرض‏الأسقام ورهينة الأيام. ورمية المصائب. وعبد الدنيا. وتاجرالغرور . وغريم المنايا. وأسير الموت. وحليف الهموم. وقرين‏الأحزان. ونصب الآفات. وصريع الشهوات، وخليفة الأموات.

أما بعد فإن فيما تبينت من إدبار الدنيا عني وجموح الدهر علي‏و إقبال الآخرة إلي ما يزعني عن ذكر من سواي، والاهتمام بماورائي، غير أني حيث تفرد بي دون هموم الناس هم نفسي، فصدفني رأيي وصرفني عن هواي، وصرح لي محض أمري فأفضى بي إلى جد لا يكون فيه لعب، وصدق لا يشوبه كذب.

و وجدتك بعضي بل وجدتك كلي حتى كأن شيئا لو أصابك‏أصابني، وكأن الموت لو أتاك أتاني، فعناني من أمرك ما يعنيني‏من نفسي فكتبت إليك مستظهرا به إن أنا بقيت لك أو فنيت.

اللغة:

الرمية: الهدف. ونصب ـ بضم النون والصاد ـ أشراك منصوبة للصيد. والجموح: العصيان. ويزعني: يمنعني. وصدفني: صرفني. ومستظهرا: مستعينا.

الإعراب:

من الوالد متعلق بمحذوف خبرا لمبتدأ محذوف أي هذه وصية من الوالد، والى‏المولود متعلق بهذه الوصية، والفاني وما بعده صفة للوالد، والمؤمل وما بعده‏صفة للمولود، وما يزعني«ما»مفعول تبينت، غير اني نصب على الاستثناء، ومستظهرا حال من فاعل كتبت.

صلح الحسن واستشهاد الحسين:

قال الشريف الرضي: كتب أمير المؤمنين هذه الوصية لولده الإمام الحسن‏بحاضرين عند انصرافه من صفين. وحاضرين اسم بلدة في نواحي صفين.

و الإمام الحسن هو السبط الأول لرسول الله(ص)، والمولود البكر لأميرالمؤمنين، والإمام الثاني من أئمة أهل البيت(ع)و رابع أصحاب الكساء، وأحدريحانتي النبي، وسيدي شباب أهل الجنة. ولد ليلة النصف من رمضان سنة ثلاث‏من الهجرة، وسماه رسول الله(ص)حسنا، وهو أول من سمي بهذا الاسم، وفي صحيح البخاري ومسلم: ان رسول الله قال: اللهم اني أحب الحسن، فأحببه واحبب من يحبه. وتولى الخلافة بعد أبيه أشهرا، ثم جرى الصلح بينه‏و بين معاوية.

و تكلم الناس وأطالوا حول هذا الصلح قديما وحديثا، ومنهم من صوب، ومنهم من خطأ بخاصة ان معاوية نقض الشروط التي أبرمها على نفسه للإمام‏الحسن(ع). . روى ابن أبي الحديد، في أول شرحه لهذه الوصية، عن المدائني‏ان معاوية بعد الصلح خطب أهل الكوفة، وقال لهم فيما قال: «أ ترون أني‏قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج، وقد علمت انكم تصلون وتزكون وتحجون‏و لكني قاتلتكم لأئتمر عليكم وعلى رقابكم. . أ لا ان كل شرط أشترطه فتحت قدمي‏هاتين» .

و تكلمنا عن هذا الصلح بنحو من التفصيل في كتاب«الشيعة والحاكمون».

و مجمل القول: إن الذين خطأوا الإمام الحسن في هذا الصلح نظروا الى ما ينبغي‏أن يكون، وتجاهلوا الظروف والأحداث التي أحاطت بالحسن وفرضت نفسهاعليه. . اعتمدوا على اللمحة العابرة، أو النظرية المجردة عن الزمان والمكان، وصرفوا النظر عما يعترض تطبيقها من العقبات.

أما قول من قال: كان على الحسن أن يستشهد كما استشهد أخوه الحسين، فإنما يصح لو أدى استشهاد الحسن الى نفس النتيجة التي أدت اليها تضحية الحسين‏من إحياء الدين وإعلان حقيقة الأمويين، أما مع اختلاف النتيجة لاختلاف الظروف‏و المؤثراتـفلا مبرر للقياس. قال العقاد في كتاب«معاوية» : «آلت خلافةالإمام الى ابنه الحسن في معسكر مضطرب بين الخوارج والشيعة والموالي والأتباع‏الذين لا يعملون عمل الأتباع طائعين، ولا يعملون عمل الرؤساء مقتدرين مضطلعين، وورث الحسن معسكرا لم يطل عليه عهد الولاء لأحد قط ليناضل به معسكرا لم‏يقع فيه خلاف قط». ومعنى هذا في واقعه ان الحسن لو لم يصالح لقتل بسيوف‏معسكره لا بسيوف أعدائه، كما أوضحنا في كتاب«الشيعة والحاكمون».

و الخلاصة أن الحسن أخو الحسين، وروح أبيه وأخيه بين جنبيه، وقداستشهد الحسين لخير الإسلام والمسلمين، وصالح الحسن للغاية نفسها، ودفعاللضرر الأشد بالضرر الأخف، لا رهبة من الموت، ولا رغبة في الحياة.
 
المعنى:

(المقر للزمان)بقسوته وشدته(و المستسلم للدنيا)أي الصابر على آفاتهاو ضرباتها(الى المولود المؤمل الخ). . المراد بالمولود هنا كل ولد من حيث هوانسان بصرف النظر عن الحسن وغيره من الأفراد، والقصد النهي عن طول الأمل‏لأنه ينسي الآخرة(و عبد الدنيا)خاضع لمنطق الحياة، والغرائز الحيوانية(و غريم المنايا)مديون للموت الذي يطلب الرحيل من كل حي تماما كما يطلب‏الغريم الوفاء بماله من المديون(و نصب الآفات)مصيدة للنكبات والعثرات.

(فإن فيما تبينت من إدبار ـ الى ـ ورائي). ذهب العمر أو أكثره، ولاقيت من دهري ما لاقيت، وجاءني الموت مسرعا، وهذا بطبيعة الحال يدعوني‏الى الاهتمام بآخرتي ومصيري، والانصراف عما عداه(غير اني حيث تفرد الخ). .

و على الرغم من اني في هذه اللحظة أهتم بنفسي دون غيرها فقد رأيت رأيا لا هوى‏فيه ولا شائبة، وهو أني(وجدتك بعضي، بل وجدتك كلي)و إذن فالاهتمام‏بك اهتمام بنفسي ذاتها(حتى كأن شيئا لو أصابك أصابني الخ). . وهكذا كل‏والد يرى وجود ولده امتدادا وتكرارا لوجوده، وقرة عين له ما كان ليحظى بهالو لم يوجد.

هذه هي عاطفة الأبوين نحو الولد. . وهي أشبه بالصرعة والجنونـفيما أرىـو لكنها غريزة حيوانية نعوذ بالله من آثامها، وفي الحديث الشريف: الأولاديحبنون ويبخلون. وهذه حقيقة يشعر بها كل والد ووالدة، أما عاطفة الولدنحو أبويه فالباعث عليهاـفي الأغلبـمجرد المصلحة، بخاصة أولاد هذا الزمان.

قال سبحانه: «ان من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهمـ14 التغابن».

و ما قال: ان من آبائكم وأمهاتكم عدوا لكم فاحذروهم.

لا خير في علم لا ينفع. . فقرة 3ـ5:

فإني أوصيك بتقوى الله أي بني ولزوم أمره، وعمارة قلبك بذكره، والاعتصام بحبله. وأي سبب أوثق من سبب بينك وبين الله إن أنت أخذت به. أحي قلبك بالموعظة، وأمته بالزهادة، وقوةباليقين، ونوره بالحكمة. وذلله بذكر الموت، وقرره بالفناء، وبصره فجائع الدنيا، وحذره صولة الدهر وفحش تقلب الليالي‏و الأيام، واعرض عليه أخبار الماضين، وذكره بما أصاب من‏كان قبلك من الأولين، وسر في ديارهم وآثارهم فانظر فيما فعلوا وعماانتقلوا وأين حلوا ونزلوا، فإنك تجدهم قد انتقلوا عن الأحبة، وحلوا ديار الغربة، وكأنك عن قليل قد صرت كأحدهم.

فأصلح مثواك، ولا تبع آخرتك بدنياك. ودع القول فيما لاتعرف والخطاب فيما لم تكلف. وأمسك عن طريق إذا خفت‏ضلالته فإن الكف عند حيرة الضلال خير من ركوب الأهوال.

و أمر بالمعروف تكن من أهله، وأنكر المنكر بيدك ولسانك‏و باين من فعله بجهدك. وجاهد في الله حق جهاده ولا تأخذك في‏الله لومة لائم. وخض الغمرات للحق حيث كان، وتفقه في‏الدين، وعود نفسك التصبر على المكروه ونعم الخلق التصبر.

و ألجي‏ء نفسك في الأمور كلها إلى إلهك فإنك تلجئها إلى كهف‏حريز، ومانع عزيز. وأخلص في المسألة لربك فإن بيده العطاءو الحرمان، وأكثر الاستخارة وتفهم وصيتي ولا تذهبن عنها صفحا فإن خير القول ما نفع. واعلم أنه لا خير في علم لا ينفع، ولاينتفع بعلم لا يحق تعلمه.

اللغة:

قرره: أطلب منه الإقرار. وبصره: اجعله بصيرا. والفحش: القبح.

و مثواك: محل اقامتك. وباين: باعد. لا يحقـبكسر الحاءـليس من‏الحق في شي‏ء.

الإعراب:
 
أي بني يا بني، ان أنت أي ان أخذت أنت أخذت به، وتكن مجزوم‏بجواب الأمر، والتصبر مبتدأ، وجملة نعم الخلق خبر.

المعنى:

كل مضامين هذه الوصية القيمة الخالدة أو جلها، تكرر مرارا في الخطب‏السابقة، ومع هذا نشرح مراد الإمام من كل جملة وحكمة تقديرا لها وتبركابها، وتيسيرا على القارى‏ء، ولكن نوجز ولا نطنب، وقد نتجاوز الواضحات‏و المكرورات إلا اذا اهتدينا لجديد نضيفه اليها، أو يزيدها ايضاحا.

(فإني اوصيك ـ الى ـ سبب بينك وبين الله). ولا يتحقق السبب بين الله‏ و عبده إلا بثلاثة : الأول: الشعور بوجوده، وانه ينفع ويضر، وينعم وينتقم.

الثاني: التوكل عليه والثقة به. الثالث: أن يكون مع الإيمان والتوكل عمل‏يرضاه أي ينفع ولا يضر، وهذه الثلاثة متكافئة متشابكة، فمن آمن ولم يتوكل‏أو توكل ولم يعمل انقطع السبب بينه وبين خالقه.

(أحي قلبك بالموعظة)و ليس المراد بالموعظة مجرد الوصايا العشر وأمثالها، بل‏المراد الإتعاظ بالعبر والانتفاع بالتجارب(و أمته بالزهادة)أي بالإعراض عن الحرام، كما قال في مكان آخر: ولا زهد كالزهد في الحرام(و قوه باليقين) و هو أن تعبد الله كأنك تراه، وتؤمن بالآخرة كأنك فيها. . وأول ما ينشأهذا اليقين من التفكير في خلق السموات والأرض، أو من التربية والبيئة، ثم‏ينمو ويقوى بالعمل على مقتضاه (و نوره بالحكمة)فإنها ضالة المؤمن.

(و ذلله بذكر الموت، وقرره بالفناء). لأن نسيان الموت والفناء يؤدي الى‏العمى والطغيان . . بل أدى ببعض الغافلين الى ادعاء الربوبية، كالذي قال لابراهيم‏الخليل(ع): «أنا أحيي وأميت»و ذهل انه عما قريب ينزل الى قبره جثةهامدة(و بصره فجائع الدنيا الخ). . تكرر هذا مرارا فيما سبق، ويتلخص‏بأن على العاقل أن لا يغتر بالدنيا وسلطانها وزينتها ومالها، فالأوائل أصابوا الكثيرمن لذاتها، ثم فارقتهم وفارقوها(فأصلح مثواك)بادخار الحسنات لوقت الحاجةو إلا لحقتك الحسرة والندامة.

(و لا تبع آخرتك بدنياك). عليك أن تستهين بالنفع العاجل إن كانت مغبته‏الى سوء، والتبعة عليه قاسية وشديدة، فإن خير الأمور ما أمنت من عاقبته، ومن هنا يصح القول: إن أعلم الناس أعلمهم بالعواقب، وأعقلهم من نظراليها، وعمل بموجبها(و دع القول فيما لا تعرف). أبدا لا فرق بين من‏يحارب بلا سلاح، ومن يتكلم بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. . أما حريةالتعبير عن الرأي فهي مضمونة لأهل العلم والرأي لا لمن يهرف بما لا يعرف، ويبادر الى الكلام على ما خطر في قلبه من غير تأمل وتفكير. . حتى العالم يكون‏سكوته أبلغ وأفضل من كلامه في بعض الأحيان. وتكلمنا عن ذلك في ج 2شرح الخطبة 70 فقرة: السكوت.

(و الخطاب فيما لم تكلف)اذا كان غيرك المسؤول فدع التطفل والفضول‏حتى ولو كنت أهلا للإجابة، وأعلم ممن سئل. . وكيف بك اذا قال لك السائل:

ما اياك سألت، أو قال لك المسؤول: ما اياك أعني؟. (و امسك عن طريق‏اذا خفت ضلاله الخ). . لا تدخل في شي‏ء اذا كنت منه على شك، واستشعرالخشية من المجهول، ولا تقل أو تفعل إلا مع اليقين بإصابة الموضع، فإن‏أخطأت، والحال هذه، كنت على عذرك عند الله والناس. . وعلى أية حال‏إن لم يكن من شي‏ء تكسبه في إحجامك فليس ثمة ما تخسره. خض الغمرات للحق حيث كان:

(و لا تأخذك في الله لومة لائم، وخض الغمرات للحق حيث كان). أبدالا هوادة، ولا تعايش سلمي مع الطغاة الذين مارسوا ويمارسون في ظل هذاالتعايش أعنف المعارك ضد المستضعفين . ولا رادع لهم وزاجر فعال ومؤثر من‏أية قوة في عصرنا. . اللهم إلا أن يستميت المظلوم في سبيل حقه. . وهل من الضروري‏أن يعيش الضعيف في صراع دائم مع القوي الطامع؟و اذن فأين حماة الحق، وأنصار العدل؟. وسلام الله على من قال: خض الغمرات للحق حيث كان في‏روسيا والصين، أو في روديسيا وفلسطين. . في بيتك أو في بيوت الآخرين.

(و عود نفسك التصبر على المكروه الخ). . لا تستسلم للباطل وأهله، ودافع‏عن الحق وأهله جهد المستطيع، واصبر على الجهاد مهما كانت الظروف(و ألجى‏ءنفسك في أمورك الخ). . ثق بربك، وتوكل عليه بقلب خاضع، وعمل صالح، فإن فعلت كان نصر الله معك أينما كنت(و اكثر الاستخارة)ادع الله سبحانه‏بإخلاص أن يختار لك ما فيه صلاح دينك ودنياك(فإن خير القول ما نفع)و لاخير في شي‏ء لا يترك أثرا ينتفع به الإنسان علما كان أو عملا أو عقيدة.

(و لا ينتفع بعلم لا يحق تعلمه). العلم بطبعه لا يأمر ولا ينهى، ولا يعنيه‏شي‏ء من أمر السلوك وأحكامه، وإنما يكشف عن الشي‏ء ومدى تأثيره وعلاقته مع‏غيره، أما احكام السلوك فموكولة الى الدين والأخلاق، والإسلام يحرم استعمال‏العلم للإضرار بالآخر، وطلبه للتماري والتباهي، ويوجب تعليمه ونشره لخدمةالحياة وأمنها والقضاء على الشر والبؤس. أما طلبه لمجرد صقل العقول وجلائهاـكما كان يقالـفلا يأمر به ولا ينهى عنه، لأنه يكون، والحال هذه، تماما كالنظرة العابرة الى زهرة أو شجرة.

قلب الحدث. . فقرة 6ـ7:

أي بني إني لما رأيتني قد بلغت سنا، ورأيتني أزداد وهنا بادرت‏بوصيتي إليك، وأوردت خصالا منها قبل أن يعجل بي أجلي دون أن أفضي إليك بما في نفسي، وأن أنقص في رأيي كما نقصت في‏جسمي، أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى وفتن الدنيا، فتكون‏كالصعب النفور. وإنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيهامن شي‏ء قبلته. فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل‏لبك لتستقبل بجد رأيك من الأمر ما قد كفاك أهل التجارب‏بغيته وتجربته، فتكون قد كفيت مؤونة الطلب، وعوفيت من‏علاج التجربة، فأتاك من ذلك ما قد كنا نأتيه، واستبان لك‏ما ربما أظلم علينا منه. أي بني إني وإن لم أكن عمرت عمرمن كان قبلي فقد نظرت في أعمالهم، وفكرت في أخبارهم، وسرت‏في آثارهم حتى عدت كأحدهم. بل كأني بما انتهى إلي من أمورهم‏قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم، فعرفت صفو ذلك من كدره، ونفعه من ضرره، فاستخلصت لك من كل أمر نخيله وتوخيت لك‏جميله، وصرفت عنك مجهوله، ورأيت حيث عناني من أمرك مايعني الوالد الشفيق وأجمعت عليه من أدبك أن يكون ذلك وأنت‏مقبل العمر ومقتبل الدهر، ذو نية سليمة ونفس صافية، وأن‏أبتدئك بتعليم كتاب الله وتأويله، وشرائع الإسلام وأحكامه، وحلاله وحرامه، لا أجاوز ذلك بك إلى غيره. ثم أشفقت أن يلتبس عليك ما اختلف الناس فيه من أهوائهم وآرائهم مثل الذي‏التبس عليهم، فكان إحكام ذلك على ما كرهت من تنبيهك له‏أحب إلي من إسلامك إلى أمر لا آمن عليك به الهلكة. ورجوت‏أن يوفقك الله فيه لرشدك، وأن يهديك لقصدك، فعهدت إليك‏وصيتي هذه.

اللغة:

بادرتك: عاجلتك: والمؤونة: الثقل والشدة. ونخيله: صفوته. وأجمعت: عزمت وصممت. وأشفقت: خفت.

الإعراب:

و هنا تمييز، ونصبت«فتكون كالصعب»للعطف على ان انقص، و«فتكون قد كفيت»عطف على لتستقبل، وما قد كفاك«ما»مفعول‏تستقبل، والمصدر من أن يكون ذلك مفعول رأيت حيث الخ، والمصدر من أن‏يلتبس مجرور بمن محذوفة.

المعنى:

(لما رأيتني)أي رأيت نفسي(قد بلغت سنا). كتب هذه الوصية بعدأن تجاوز الستين(و أوردت خصالا منها الخ). . أي من الوصية، والمعنى ان‏الإمام عجل بهذه الوصية قبل بغتة الأجل ونهايته (أو نقص في رأيي الخ). .

ليس المراد بنقصان الرأي هنا فساد العقل، بل كل ما يحول بين المرء والتعبيرعن رأيه(أو يسبقني اليك بعض غلبات الهوى وفتن الدنيا). الإمام لا يغلبه الهوى، ولا تفتنه الدنيا، وقد طلقها ثلاثا قولا وعملا. . ولكن هذه هي لغةالأولياء والقديسين، ومن قبله قال رسول الله(ص): «و إنا واياكم لعلى هدى‏أو في ضلال مبينـ24 سبأ»و قال نوح: «و إلا تغفر لي وترحمني أكن من‏الخاسرينـ47 هود».

(فتكون كالصعب النفور)أي البعير الصعب الذي ينفر ولا يمكن أحدامن ظهره(و انما قلب الحدث كالأرض الخ). . قال الإمام في أول هذه الوصية:

من الوالد. . الى المولود. وقلنا: المراد بالمولود الولد من حيث هو انسان بصرف‏النظر عن الحسن وغيره من الأفراد، وقول الإمام: «كالصعب النفور. .

و قلب الحدث»قرينة قاطعة على ما قلناه في تفسير المولود، لأن سن الحسن‏كانت أكثر من ثلاثين سنة حين أوصى أبوه بهذه الوصية، ولأن الحسن أحد الذين‏عنتهم الآية 33 من سورة الأحزابـبالتطهير من الرجس، وأيضا هو أحدالذين أرادهم النبي(ص)بحديث الثقلين. وسبق الكلام عن هذا الحديث، وآيةالتطهير أكثر من مرة. . هذا، الى ان الإمام أثنى في العديد من خطبه على أهل‏البيت، وأمر باتباعهم، ومن ذلك قوله في الخطبة الثانية: «عيبة علم اللهـأي وعاؤهـو موئل حكمه، وكهوف كتبه»و قوله في الخطبة 95: «اتبعوا أثرهم فلن يخرجوكم من هدى»الى كثير من ذلك.

و أقوال الإمام ينسجم بعضها مع بعض كما تنسجم بمجموعها مع علمه ودينه‏و أفعاله، واذا كان قلب الحدث«كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شي‏ء قبلته»كما قال الإمام فإن الحسن كان، وهو طفل، في حجر جده رسول الله(ص) يحضر مجلسه ويسمع منه ويحفظ، وقد روى عن جده بعض الأحاديث تناقلها العلماءو دونوها في كتبهم، منهم الترمذي في صحيحه، والدارمي في سننه، وأبو نعيم‏في حليته، وابن الأثير في أسد الغابة.

(لتستقبل جد رأيك). جد ـ بكسر الجيم ـ أي المحقق، تقول: فلان‏عالم جد عالم أي متناه في العلم (ما قد كفاك أهل التجارب الخ). . أي ان‏الإمام يزوده بالمعلومات الكافية لاعتداله وكماله في آرائه وأفعاله، وتغنيه عن‏التجارب وأتعابها(و إن لم أكن عمرت عمر من كان قبلي الخ) . . المعرفة لاتقاس بالموهبة وحدها، ولا بالعمر المديد، وإنما تقاس بالرؤية والخبرة، وكثرةالممارسة، وقد امتدت الحياة بالذين سبقوا الإمام أكثر منه بكثير، ولكن الإمام جرب ورأى أكثر مما جربوا ورأوا، هذا الى أنه سبر أحوال الماضين حتى كأنه عاش‏معهم من يومهم الأول الى آخر يوم.

(فعرفت صفو ذلك ـ الى ـ جميله)انتهيت من تجاربي الى معرفة الحياةخيرها وشرها، واني أقدم لك صفوتها خالصة من كل شائبة(و صرفت عنك‏ مجهوله)أي المشتبه الذي أشار اليه النبي(ص) بقوله : «دع ما يريبك الى مالا يريبك». (و رأيت حيث عناني الخ). . هذا دليل آخر نعطفه على الأدلةالسابقة الناطقة بأن المراد بالمولود المخاطب هو الولد من حيث هو إنسان، لأن معنى‏هذه الجملة أردت أن أعلمك القرآن وتفسيره وحلاله وحرامه، ثم عدلت خشيةأن يخفى عليك مكان الصواب في المذاهب والآراء لحداثة سنك، فاكتفيت بهذه‏الوصية التي تحتوي على الإيمان بالله وآداب السلوك.

و منذ قليل أشرنا أن سن الحسن كانت عند هذه الوصية أكثر من ثلاثين عاما.

و إذا كان الإمام الحسن لا يعرف أسرار القرآن وأحكام الشريعة فمن الذي يعرفها؟

ثم ان الإمام أمير المؤمنين حث على التمسك بالقرآن، والعمل بأمره ونهيه في‏العديد من خطبه وكلامه، وفي الخطبة 108 نص صراحة على تعليم القرآن وتعلمه، وقال: «و تعلموا القرآن فإنه أحسن الحديث، وتفقهوا فيه فإنه ربيع القلوب».

و الخلاصة ان الإمام يوصي بوجه عام أن يلقن الطفل أولا أصول الإسلام‏الضرورية، ويمرن على السلوك الشرعي حتى إذا تقدمت به السن تعلم القرآن‏و الشريعة.

ما أكثر ما يجهل؟فقرة 8ـ10:

و اعلم يا بني أن أحب ما أنت آخذ به إلي من وصيتي تقوى الله‏و الاقتصار على ما فرضه الله عليك، والأخذ بما مضى عليه الأولون‏من آبائك، والصالحون من أهل بيتك، فإنهم لم يدعوا أن نظروالأنفسهم كما أنت ناظر، وفكروا كما أنت مفكر، ثم ردهم آخرذلك إلى الأخذ بما عرفوا والإمساك عما لم يكلفوا. فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما علموا فليكن طلبك ذلك‏بتفهم وتعلم، لا بتورط الشبهات وعلو الخصومات. وابدأ قبل‏نظرك في ذلك بالاستعانة بإلهك والرغبة إليه في توفيقك وترك كل‏شائبة أولجتك في شبهة، أو أسلمتك إلى ضلالة. فإذا أيقنت أن‏قد صفا قلبك فخشع، وتم رأيك فاجتمع، وكان همك في ذلك‏هما واحدا فانظر فيما فسرت لك. وإن أنت لم يجتمع لك ما تحب‏من نفسك، وفراغ نظرك وفكرك فاعلم أنك إنما تخبط العشواء، وتتورط الظلماء. وليس طالب الدين من خبط أو خلط، والإمساك‏عن ذلك أمثل. فتفهم يا بني وصيتي، واعلم أن مالك الموت‏هو مالك الحياة، وأن الخالق هو المميت، وأن المفني هو المعيد، وأن المبتلي هو المعافي، وأن الدنيا لم تكن لتستقر إلا على ماجعلها الله عليه من النعماء، والابتلاء، والجزاء في المعاد أو ما شاءمما لا نعلم، فإن أشكل عليك شي‏ء من ذلك فاحمله على جهالتك‏به فإنك أول ما خلقت خلقت جاهلا ثم علمت. وما أكثر ما تجهل‏من الأمر ويتحير فيه رأيك ويضل فيه بصرك، ثم تبصره بعدذلك. فاعتصم بالذي خلقك ورزقك وسواك، وليكن له تعبدك‏و إليه رغبتك ومنه شفقتك. واعلم يا بني أن أحدا لم ينبى‏ء عن الله كما أنبأ عنه الرسول صلى الله عليه وآله، فارض به رائدا، وإلى النجاة قائدا، فإني لم آلك نصيحة. وإنك لن تبلغ في النظرلنفسكـو إن اجتهدتـمبلغ نظري لك.

اللغة:

شائبة: من الشوب أي الخلط. وأولجتك: أدخلتك. وناقة عشواء: ضعيفةالبصر. وتتورط: تقع في مكروه . والأمثل: الأفضل. وشفقتك: خوفك. و رائد القوم: يرشدهم الى ما يبتغون.

الإعراب:

أن قد صفا الأصل أنه قد صفا، وما خلقت«ما»مصدرية، وجاهلاحال، ومثله رائدا، ونصيحة تمييز .

المعنى:

ألف العقاد كتاب«عبقرية الإمام»، تحدث فيه عن حياته وأوصافه، واعتمد في تحديد إسلامه على مقطع من هذه الوصية، وهو قوله: «و اعلم‏يا بني ان احب ما أنت آخذ به من وصيتي تقوى اللهـالى قولهـفانظر فيمافسرت لك». وبعد أن نقل العقاد هذا قال: يكفي هذا للتعريف بإسلام علي‏كما ارتضاه لنفسه وأتباعه. . وهو إسلام الرجل أتيح له أن يتتلمذ لربه، ويتربى‏في حجر نبيه، ويصبح إماما للمقتدين من بعده.

و معنى الكلام الذي اختاره العقاد: عليك أيها المسلم أو أيها الإنسان أن تنظرو تبحث أولا وقبل كل شي‏ء عما أنت مسؤول عنه ومكلف به، فإذا عرفت ماعليك من مصدره، ومارسته بجدارة، وأديته بأمانةـفقد حررت نفسك من ‏التبعة والمسؤولية، وما زاد فهو تفضل منك وإحسان ان كان ممدوحا ومشكورا وإلا فهو تطفل وفضول، أو هو اثم وجريمة ان أضر بغيرك أو بما عليك من‏واجبات حيث لا قربة بالنوافل إذا أضرت بالفرائض كما قال الإمام.

و مراد الإمام بالأولين من آباء الإمام الحسن والصالحين من أهل بيتهـالنبي‏و علي وعبد المطلب وأبو طالب، أما قوله: «فإن أبت نفسك الخ». . فمعناه‏عليك أن تكون امتدادا وتكرارا للسلف الصالح، ولا بأس في أن تنظر وتدرس‏مناهجهم ومفاهيمهم لتكون على بصيرة من أمرك، شريطة أن تقف من ذلك‏موقف العالم المخلص للحق المستعين بالله في جميع أموره، فهو يميز بين السليم والسقيم، والشبهة والحقيقة، بلا تعصب وتعسف.

(و ان لم يجتمع لك ما تحب من نفسك الخ). . إذا توافر لك التجرد للحق‏و الكفاءة العلمية جاز لك الحكم على الأشياء وأن تصوب وتخطى‏ء وإلا(فاعلم‏انك تخبط العشواء)تقول وتتصرف على غير هدى وبصيرة(و ليس لطالب‏الدين)و لا لغيره أن يقول بالجهل(و الإمساك عن ذلك أمثل)بل واجب‏شرعا وعقلا.

(و اعلم ان مالك الموت الخ). . الله سبحانه هو المحيي والمميت، والمبدى‏ءو المعيد، والمنعم والمنتقم(و ان الدنيا لم تكن لتستقر إلا على ما جعلها الله الخ). .

ليست الدنيا خيرا كلها أو شرا كلها، وكل شي‏ء فيها له جهة سلب، وجهةإيجاب، هكذا قضت حكمته تعالى، أو هذه هي طبيعة المادة، كالماء فيه حياةو غرق، والنار تحرق الثوب وتنضج الطعام، والشمس تضي‏ء، وقد تضرب‏الإنسان بحرارتها. . والى هذا تشير كلمة«لتستقر». ولا يجوز لأحد أن يركزعلى جانب دون جانب، ولا بد من النظر اليهما معا، فما كان خيره أكثر من‏شره كالشمس والنار فهو خير لا يجوز تركه بحال، قال الإمام جعفر الصادق(ع):

ان ترك الخير الكثير لشر قليل فيه شر كثير. وتكلمنا عن ذلك بنحو من التفصيل‏في كتاب«فلسفة التوحيد والولاية».

(و الجزاء في المعاد) أي انه تعالى جعل الدنيا دارا للعمل، والآخرة داراللجزاء. قال الإمام : اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل (أو ماشاء الله مما لا تعلم)يشير الى أن الحكمة الإلهية قد تقتضي الجزاء في الدنيا بنوع‏من الأنواع، فقد أغرق سبحانه قوم نوح وفرعون، وأهلك قوم هود وصالح، ورب صدقة صغيرة دفعت شرا كبيرا (فإن أشكل عليك شي‏ء من ذلك)و خفي‏عليك وجه الحكمة في السراء والضراء، والجزاء في المعاد(فاحمله على جهالتك الخ). .

لا تنكر ما تجهل، وأي مخلوق أحاط بكل شي‏ء علما؟و لو قيس ما خفي عن‏أعلم العلماء الى ما ظهر لهـلكانت النسبة بينهما كنسبة النقطة الى مياه البحار، وحبة الرمل الى جميع الرمال . وقل ربي زدني علما.

(ان أحدا لم ينبى‏ء عن الله سبحانه الخ). . لا يعرف التاريخ البشري رسالةكرسالة محمد(ص)في شمولها وعمومها لكل ناحية من حياة الإنسان، ولكل فردمن أفراده، فقد خاطبت كل آدمي على أساس الإنسانية العامة، وانه المسؤول‏المحاسب عن العدل والاخوة بين الجميع. . فنبوة بني إسرائيل أو رسالة بني اسرائيل ‏مقصورة على أنهم شعب الله المختار، وان الدنيا والمستقبل لهم وحدهم، وباقي‏الناس كلهم تراب، وجدوا وخلقوا لخدمتهم ومصالحهم. . ورسالة المسيح أورسالة المسيحيين اقتصرت على الروح، وفكرة المخلص من الذنوب والفداء والتكفيرعن سيئات البشرية جمعاء. . أما رسالة محمد(ص)فقد خاطبت العقل، واعتبرت ‏الفاعل العاقل هو المسؤول وحده عن أفعاله وأقواله، ونواياه واهدافه.

لا يأمر الله إلا بحسن ولا ينهى إلا عن قبيح. . فقرة 11ـ12:

و اعلم يا بني أنه لو كان لربك شريك لأتتك رسله، ولرأيت‏آثار ملكه وسلطانه، ولعرفت أفعاله وصفاته، ولكنه إله واحدكما وصف نفسه. لا يضاده في ملكه أحد، ولا يزول أبدا.

و لم يزل أول قبل الأشياء بلا أولية، وآخر بعد الأشياء بلا نهاية.

عظم عن أن تثبت ربوبيته بإحاطة قلب أو بصر. فإذا عرفت‏ذلك فافعل كما ينبغي لمثلك أن يفعله في صغر خطره، وقلةمقدرته، وكثرة عجزه، وعظيم حاجته إلى ربه في طلب طاعته، والرهبة من عقوبته، والشفقة من سخطه. فإنه لم يأمرك إلا بحسن‏و لم ينهك إلا عن قبيح. يا بني إني قد أنبأتك عن الدنياو حالها وزوالها وانتقالها، وأنبأتك عن الآخرة وما أعد لأهلهافيها، وضربت لك فيهما الأمثال لتعتبر بها وتحذو عليها. إنما مثل من خبر الدنيا كمثل قوم سفر نبا بهم منزل جديب فأموامنزلا خصيبا وجنابا مريعا، فاحتملوا وعثاء الطريق وفراق‏الصديق، وخشونة السفر، وجشوبة المطعم ليأتوا سعة دراهم‏و منزل قرارهم، فليس يجدون لشي‏ء من ذلك ألما، ولا يرون‏نفقة مغرما، ولا شي‏ء أحب إليهم مما قربهم من منزلهم، وأدناهم‏من محلهم . ومثل من اغتر بها كمثل قوم كانوا بمنزل خصيب‏فنبا بهم إلى منزل جديب، فليس شي‏ء أكره إليهم ولا أفظع ‏عندهم من مفارقة ما كانوا فيه إلى ما يهجمون عليه، ويصيرون ‏إليه.

اللغة:

سفرـبفتح السين وسكون الفاءـمسافرون. وجديب: ماحل. وأموا:

قصدوا. والوعثاء: العسر والمشقة. والجشوبة: الغلظة والخشونة. وهجمواعليه: انتهوا اليه بغتة.
 
الإعراب:

سفر صفة لقوم، وليأتوا منصوب بأن مضمرة بعد اللام، والمصدر المنسبك‏متعلق باحتملوا.

المعنى:

تقدم الكلام عن شريك الباري والأدلة على امتناعه، وأشار الإمام هنا الى‏دليلين:

1ـ(لو كان لربك شريك لأتتك رسله)مع العلم بأن جميع الأنبياءو المرسلين دعوا الى إله واحد لا ضد له ولا ند.

2ـ(و لرأيت آثار ملكه وسلطانه الخ). . والآثار كلها تدل على ان المؤثرواحد، وهي أو منها هذه القوانين الطبيعة الدقيقة التي تحكم أجزاء الطبيعةو ظواهرها، وتجمعها في مجموعة واحدة شاملة تدل على وحدة التدبير والمدبرالواحد.

(و لكنه إله واحد كما وصف نفسه الخ). . في العديد من الآيات، ثم في‏سورة خاصة هي سورة الإخلاص، وذكر الملا صدرا في شرح«أصول الكافي»لهذه السورة عشرين اسما، وقال: إن لها خاصة وامتيازا على سائر آيات التوحيد، ومما قاله في تفسيرها: إن كلمة«الله»تدل بذاتها على الأحدية بلا حاجة الى‏أية قرينة، وانما جي‏ء بكلمة«الأحد»لمجرد التوضيح بأن الله واحد من كل‏وجه، وانه منزه عن الحدوث والمادة والكيفات والافتقار الى الغير، وانه قادرو عالم، وأبدي أزلي، والمبدى‏ء الأول لكل موجود، وبكلمة ان الأحدية منبع‏الكمال التام من شتى الوجوه .

(فإذا عرفت الخ). . عظمة الله سبحانه فعليك ان تطيعه بما يليق بجلاله‏و كماله، وأن تجعل طاعته أساسا لجميع أعمالك، وبهذه الطاعة تكون شيئا مذكوراو بدونها لست شيئا على الإطلاق، لأنه تعالى لا يأمر إلا بما يعود عليك وعلى‏غيرك بالخير والصلاح، ولا ينهاك إلا عما يضرك أو يضر بغيرك، وعلى هذاالأصل الذي ذكره الإمام يصح القول: ان كل أمر فيه خير وصلاح للناس بجهة من الجهات فهو أمر الله بصرف النظر عن قائله. ومن وصايا الإمام‏و حكمه: أنظر الى القول لا الى من قال. الحكمة ضالة المؤمن، فخذ الحكمةو لو من أهل النفاق.

(لتعتبر بها، وتحذو عليها). ضمير بها وعليها يعود للأمثال، وتعتبرتتعظ، وتحذو تقتدي أي تسمع وتعمل، والمعنى كشفت لك عن حقيقة الدنياو الآخرة لتؤثر هذه على تلك، لأن مع الآخرة تعبا قليلا، وسرورا كثيراو دائما، أما الدنيا فمعها سرور قليل، وعذاب كثير ودائم، ثم ضرب مثلين‏لكل من أبناء الآخرة وأبناء الدنيا:

1ـ(كمثل قوم سفر الخ). . هذا مثل لأبناء الآخرة، ويتلخص بأنهم‏أشبه بقوم كانوا في سفر، وكان طريق العودة متعبا وشاقا، ولكن منازلهم فيهاجميع أسباب الراحة والسكينة، ويسودها جو من السعادة والهناء الذي لا يكدرصفوه شي‏ء. . المناظر رائعة، والمعيشة واسعة، والقلوب واحدة، والأخلاق‏منسجمة. . صبروا قليلا على مشقة الطريق وقسوته أعقبتها راحة لا عناء بعدهاأبدا. . وهكذا أبناء الآخوة زهدوا في الدنيا وتحملوا مرارتها صابرين، وسرعان‏ما انتهى كل شي‏ء، وانتقلوا الى ملك دائم، ونعيم قائم.

2ـ(و مثل من اغتر بها كمثل قوم الخ). . هذا مثل لأبناء الدنيا، وهم‏على العكس تماما من أبناء الآخرة، ينتقلون من نعيم الى جحيم: «متاع قليل‏ثم مأواهم جهنم وبئس المهادـ197 آل عمران».

الحب. . فقرة 13ـ14:

يا بني اجعل ميزانا فيما بينك وبين غيرك، فأحبب لغيرك ما تحب‏لنفسك، واكره له ما تكره لها، ولا تظلم كما لا تحب أن تظلم، وأحسن كما تحب أن يحسن إليك. واستقبح من نفسك ما تستقبح‏من غيرك، وارض من الناس بما ترضاه لهم من نفسك. ولا تقل ما لا تعلم وإن قل ما تعلم، ولا تقل ما لا تحب أن يقال لك.

و اعلم أن الإعجاب ضد الصواب وآفة الألباب. فاسع في كدحك‏و لا تكن خازنا لغيرك. وإذا أنت هديت لقصدك فكن أخشع‏ما تكون لربك. واعلم أن أمامك طريقا ذا مسافة بعيدةو مشقة شديدة . وأنه لا غنى لك فيه عن حسن الارتياد. قدربلاغك من الزاد مع خفة الظهر. فلا تحملن على ظهرك فوق طاقتك‏فيكون ثقل ذلك وبالا عليك. وإذا وجدت من أهل الفاقة من‏يحمل لك زادك إلى يوم القيامة فيوافيك به غدا حيث تحتاج إليه‏فاغتنمه وحمله إياه. وأكثر من تزويده وأنت قادر عليه فلعلك ‏تطلبه فلا تجده. واغتنم من استقرضك في حال غناك ليجعل‏قضاءه لك في يوم عسرتك. واعلم أن أمامك عقبة كؤودا، المخف ‏فيها أحسن حالا من المثقل، والمبطي‏ء عليها أقبح حالا من ‏المسرع، وأن مهبطك بها لا محالة على جنة أو على نار. فارتد لنفسك قبل نزولك ووطى‏ء المنزل قبل حلولك، فليس بعد الموت ‏مستعتب، ولا إلى الدنيا منصرف.

اللغة:

الآفة: المرض. والألباب: العقول. وقصدك: رشدك. والارتياد: الطلب. وبلاغك: كفايتك. والوبال : الهلاك. والكؤود: الصعب. والمخف: خفيف‏الحمل. ومستعتب: استرضاء.

الإعراب:

فاغتنمه جواب اذا وجدت. وحالا تمييز. وفي بعض النسخ إما على جنة أوعلى نار، وفي بعضها على جنة بدون«إما»و هي الصواب لأن«إما»في هذاالمورد يجب تكرارها، وان يقال: إما وإما، ولا يجوز إما و«أو».

المعنى:

(فأحبب لغيرك ما تحب لنفسك الخ). . هذه الموعظة أو الوصية شائعةو قديمة، يرجع تاريخها الى ما قبل الميلاد بقرون، وتجدها بعبارات شتى في الأديان‏ما عدا اليهوديةـفيما أعلمـو روي ان أحد تلامذة كونفوشيوسـولدعام 551ـوجه اليه هذا السؤال: هل من كلمة واحدة تكون قاعدة لعمل‏الانسان طليعة حياته؟. فقال: «لا تصنع بالآخرين ما لا تريدهم أن يصنعوابك». وهذا تعبير ثان عن«أحبب لغيرك ما تحب لنفسك، واكره له ماتكره لها».
و لا نعرف أول من نطق بهذه الكلمة الذهبية. . وأيا كان فهي لجميع الناس، لأن الحب معناه الأخوة والانسانية والتكافل والتضامن والقوة والنجاح، وبالحب‏تستقيم الحياة، ولا معنى لحياة بلا حب، وأيضا لا معنى للكراهية إلا الحرب‏و الشقاق والفشل والتخلف، وصدق من قال: الحب مصدر الخير والفضائل، ولو لاه ما انتظمت حياة الأسرة، ولا قام للمجتمع بناء. وقال آخر: إن الله‏خلقنا لنحب. وقال برتراند راسل: ألخص مذهبي في الأخلاق بهذه الكلمة :

«الحياة الخيرية يوحي بها الحب، وتهديها المعرفة». ومعنى هذا ان كل واجب‏أو محرم من أفعال الانسان وسلوكه، يرتكز على نظرية الحب، وان الذي‏يعتدي على حقوق الناس، ويعاملهم بما يكرهه لنفسه هو وحش كاسر وعدوالانسانية اللدود. (و لا تقل ما لا تعلم)تقدم مثله مع الشرح في الفقرة 3 من هذه الوصيةبالذات(و ان قل ما تعلم)أي حتى ولو قيل عنك: لا علم له، أو هو قليل‏الحظ من العلم(و اعلم ان الإعجاب ضد الصواب الخ). . أبدا لا فرق بين‏السكران والمعجب بنفسه، فالخمر يذهب بالعقول والألباب، وكذلك الإعجاب‏و العاقل يفر منهما كما يفر من المجنون(فاسع في كدحك)إعمل وناضل، ولاتعش كلا على غيرك فالبطالة آفة الحياة، ولا قيمة للإنسان إلا بعمله، وخيرالناس من عاش حاملا لا محمولا، ولو لا السير المتواصل في مراحل العمل لبقي‏الإنسان الى يومه الأخير كوحش الغاب.

(و لا تكن خازنا لغيرك)اذا زاد ما تنتج عما تستهلك فأغث به ملهوفا، وسد به حاجة محتاج (و إذا أنت هديت لقصدك الخ). . اذا أتيحت لك الفرصةللكدح والسعي فاشكر الله على ذلك، واستقم في أقوالك وأفعالك، لأن التحررمن البطالة نعمة كبرى يجب أن تقابلها بالشكر والإخلاص (ان أمامك طريقاذا مسافة الخ). . المراد بالطريق هنا الدنيا لأنها دار ممر، أما بعد الطريق‏و مشقتها فكناية عن صعوبة الوقاية من أوباء الدنيا وأوزارها، والمعنى لا غنى لمن‏يعيش في الحياة الدنيا عن الصبر على البلوى، والتزود بالتقوى(مع خفة الظهر)  من الذنوب(فلا تحملن على ظهرك)أثقالا ترديك وتخزيك.

(و إذا وجدت من أهل الفاقة من يحمل لك زادك الخ). . ان الزاد الذي‏يقيك عذاب الحريق يوم القيامةـليس من نوع العلم والبلاغة، ولا من التسبيح‏و التهليل، أو من نوع المال والجمال، والجاه والأنساب. . كلا، انه شي‏ء آخرلا يحمله المسافر الى الله بنفسه، بل يحمله لغيره، فيتمتع به حامله في الحياةالدنيا، ويفتدي به صاحبه غدا من غضب الله وعقابه. قال الإمام: بئس الزادالى المعاد العدوان على العباد. ولك أن تعطف عليه: نعم الزاد الى المعاد الإحسان‏الى العباد.

(و اغتنم من استقرضك الخ). . يأخذ منك الفقير في الدنيا ما أنت في غنى‏عنه، ويرده الله اليك أضعافا يوم القيامة، وأنت في أشد الحاجة الى بعضه.

و روى ابن أبي الحديد هنا أن قوما قالوا لحاتم الأصم: اقرأ لنا شيئا من القرآن.

فقرأ: ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم يكنزون. فقالوا: أيها الشيخ ما أنزل هكذا. قال: صدقتم، ولكن هكذا أنتم.

(ان أمامك عقبة الخ). . والمراد بها الأعمال الصالحة، لأنها تحتاج الى جهدو صبر، والمراد بالمخف من لا يحمل الأوزار والأقذار، وبالمبطى‏ء من يتباطأعن عمل الخيرات، والمراد بالأقبح مجرد القبح من غير تفاضل حيث لا قبح‏اطلاقا في الإسراع الى مرضاة الله ومغفرته (و ان مهبطك بها لا محالة على جنة)  ان عملت لها عملها(أو على نار)ان اعتديت وعصيت(فارتد لنفسك الخ). .

اختر لها سبيل النجاة(و وطى‏ء المنزل الخ). . هيى‏ء لراحتك وهنائك(فليس‏بعد الموت مستعتب)لا سبيل بعد الموت الى طلب الرضاء والعفو(و لا الى الدنيامنصرف)كي تعمل وتستدرك.

و الخلاصة ان الإنسان لا يصيب الهدف إلا بالجهاد والصبر والتضحية، وانه‏لا قرابة ولا علاقة بين الله وبين أحد من خلقه إلا العمل الصالح النافع.

الدعاء. . فقرة 15ـ16:

و اعلم أن الذي بيده خزائن السموات والأرض قد أذن لك في‏الدعاء وتكفل لك بالإجابة، وأمرك أن تسأله ليعصيك وتسترحمه ‏ليرحمك، ولم يجعل بينك وبينه من يحجبه عنك، ولم يلجئك إلى‏من يشفع لك إليه، ولم يمنعك إن أسأت من التوبة، ولم يعاجلك ‏بالنقمة، ولم يعيرك بالإنابة ولم يفضحك حيث الفضيحة بك أولى، ولم يشدد عليك في قبول الإنابة، ولم يناقشك بالجريمة، ولم‏يؤيسك من الرحمة. بل جعل نزوعك عن الذنب حسنة، وحسب ‏سيئتك واحدة، وحسب حسنتك عشرا، وفتح لك باب المتاب. فإذا ناديته سمع نداءك، وإذا ناجيته علم نجواك. فأفضيت‏إليه بحاجتك، وأبثثته ذات نفسك، وشكوت إليه همومك، واستكشفته كروبك، واستعنته على أمورك، وسألته من خزائن‏رحمته ما لا يقدر على إعطائه غيره من زيادة الأعمار وصحة الأبدان ‏و سعة الأرزاق . ثم جعل في يديك مفاتيح خزائنه بما أذن لك‏من مسألته، فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبواب نعمته، واستمطرت‏شآبيب رحمته. فلا يقنطنك إبطاء إجابته، فإن العطية على قدرالنية. وربما أخرت عنك الإجابة ليكون ذلك أعظم لأجر السائل‏و أجزل لعطاء الآمل. وربما سألت الشي‏ء فلا تؤتاه وأتيت‏خيرا منه عاجلا أو آجلا، أو صرف عنك لما هو خير لك.

فلرب أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته. فلتكن مسألتك‏فيما يبقى لك جماله وينفى عنك وباله. فالمال لا يبقى لك ولاتبقى له.

اللغة:

الإنابة: الرجوع، ومثلها النزوع. والنجوى: حديث السر. وأفضيت: ألقيت. وأبثثت: كاشفت. وشآبيب: دفعات من المطر. والقنوط: اليأس.
 
الإعراب:

المصدر من أن تسأله مجرور بالباء المحذوفة، وعاجلا أو آجلا نصب على‏ظرف المكان بمعنى في الدنيا أو في الآخرة، أو ظرف الزمان بمعنى الآن أو الغد.

لماذا الدعاء؟

(قد أذن لك في الدعاء وتكفل الخ). . أمر سبحانه عباده أن يدعوه ويسألوه، وهو يستجيب لطلب التوبة والمغفرة مع الإخلاص، ما في ذلك ريب، وأيضايستجيب لغيرها، ولكن على شرطه هو لا على شرط الداعي والسائل. . ومن‏يدري ان طلبه تعالى الدعاء من عباده قد يكون لمجرد الاختبار والامتحان‏لإيمانهم، وانهم هل يستمرون ويثبتون على الثقة بخالقهم اذا فاتهم ما طلبوا وأبطأعليهم ما سألوا؟. الله أعلم. وعلى أية حال فإن أفضل الدعاء على الاطلاق«ترك‏الذنوب» .

(و لم يلجئك الى من يشفع لك اليه). هذا هو الاسلام: يضع الانسان أمام‏خالقه دون حجاب وترجمان، ووساطات روحية أو مادية. . أبدا لا بيع أذرع‏في الجنة، ولا صكوك غفران، وبراءة وحرمان(و لم يمنعك إن أسأت من‏التوبة). لا يطرد أحدا عن بابه مسيئا كان أم محسنا(و لم يعاجلك بالنقمة)

عسى أن تعود الى رشدك(و لم يعيرك بالإنابة)و يقول لك: عدت إلي صاغراليريك انه أعلى منك وأرفع. . حاشا.
(و لم يفضحك حيث الفضيحة بك أولى)لأنك اقترفتها متعمدا. وقال عارف‏بالله: لقد ستر حتى كأنه قد غفر(و لم يشدد عليك في قبول الإنابة الخ). .

لا يحاسب المذنب التائب على ما سلف، ويقرعه ويعدد له السيئات، ويذكره‏بإنعامه عليه وأفضاله، كما نفعل نحن. . كلا، إن من تاب من الذنب كمن‏لا ذنب له عند الله(و حسب سيئتك واحدة)و يستحيل أن يزيد عليها شيئالعدله، ويجوز أن يعفو لكرمه(و جعل حسنتك عشرا)تفضلا وإحسانا.

(و فتح لك باب المتاب). لأن الانسان قابل للخطأ بطبعه، والتوبة تنقذه‏من الإصرار على الرذيلة، واذن فرفض التوبة ظلم وجور. وبكلام آخر ان الله سبحانه خلق العبد وأمره ونهاه، فوجب بمنطق العدل، والحال هذه، أن يقبل‏منه الإنابة اذا أذنب وأخطأ.

هل الدعاء مفتاح الرزق؟

(ثم جعل في يديك مفتاح خزائنه الخ). . يدل هذا بظاهره على ان الدعاءيحقق للداعي ما يشاء من الرزق. . وأهل العلم يأخذون بظاهر الكلام حتى تقوم‏القرينة على عكسه. وقد نطق الإمام بهذه القرينة المعاكسة، وذلك حيث قال‏بلا فاصل: (فلا يقنطنك إبطاء إجابته، فإن العطية على قدر النية)أي انه قد لايستجيب لأن الداعي ليس أهلا لذلك، لأمر الله به أعلم(و ربما أخرت عنك‏الإجابة الخ).. أو ان الداعي أهل ومحل، ولكن المصلحة توجب التأخير، فعليه أن يصبر ولا ييأس، بل ويزداد من الدعاء. وبكلمة، ان الله يستجيب‏و يحقق في الوقت الذي يراه هو، جلت حكمته، لا في الوقت الذي يريده العبدلنفسه.

(و ربما سألت الشي‏ء فلا تؤتاه الخ). . قد يرى الانسان أن هذا الشي‏ء في‏خيره ومصلحته، فيدعو الله، ويطلبه منه، وهو في واقعه شر محض، والله‏أعلم من الإنسان بما يصلحه ويفسده، فيصرف عنه ما سأل، ويعطيه خيرا منه‏و أفضل. . وقد حدث معي هذا بالذات. . كنت رئيسا للمحكمة العليا سنوات، ثم ثار علي الزعماء والقادة، ونحوني عن الرئاسة، لأني رفضت النزول على‏أهوائهم . فكان الخير لي كل الخير في ذلك حيث أنتجت ما أنتجت. ولله الحمد. .

نظرت اليه تعالى حين أغضبت الكبار من المخلوقين، فنظر إلي سبحانه بما لم‏يخطر لي في بال . . ولا أدري كيف؟و بما ذا أشكره؟و منه وحده أطلب العفوعن التقصير في كل شي‏ء.

خلقت للآخرة لا للدنيا. . فقرة 17ـ18:


و اعلم أنك إنما خلقت للآخرة لا للدنيا، وللفناء لا للبقاء، وللموت لا للحياة، وأنك في منزل قلعة ودار بلغة، وطريق إلى‏الآخرة، وأنك طريد الموت الذي لا ينجو منه هاربه، ولا بدأنه مدركه، فكن منه على حذر أن يدركك وأنت على حال‏سيئة قد كنت تحدث نفسك منها بالتوبة فيحول بينك وبين ذلك، فإذا أنت قد أهلكت نفسك. يا بني أكثر من ذكر الموت‏و ذكر ما تهجم عليه وتفضي بعد الموت إليه حتى يأتيك وقدأخذت منه حذرك، وشددت له أزرك، ولا يأتيك بغتة فيبهرك.

و إياك أن تغتر بما ترى من إخلاد أهل الدنيا إليها، وتكالبهم‏عليها، فقد نبأك الله عنها، ونعت لك نفسها، وتكشفت لك‏عن مساويها، فإنما أهلها كلاب عاوية، وسباع ضارية، يهربعضها بعضا، ويأكل عزيزها ذليلها، ويقهر كبيرها صغيرها.

نعم معقلة، وأخرى مهملة قد أضلت عقولها وركبت مجهولها، سروح عاهة بواد وعث. ليس لها راع يقيمها، ولا مقيم يسيمها.

سلكت بهم الدنيا طريق العمى، وأخذت بأبصارهم عن منار الهدى، فتاهوا في حيرتها، وغرقوا في نعمتها، واتخذوها ربا فلعبت بهم‏و لعبوا بها ونسوا ما وراءها.

اللغة:

القلعة: الرحلة. والبلغة: الكفاية. والأزر: القوة«اشدد به أزري‏31 طه». ويبهرك: يدهشك ويحيرك. ويهر: يكره ويمقت. ومعقلة: مقيدة. سروح عاهة: يسرحون في الفساد والضلال. والمسيم: الراعي.

الإعراب:

المصدر من أنه مدركه مجرور بمن محذوفة أي لا بد من إدراكه، فإذا أنت«اذا»فجائية، ونعم خبر مبتدأ محذوف أي هم أو أهل الدنيا نعم، وكذاسروح.

لماذا خلق الانسان؟

(و اعلم يا بني انك خلقت للآخرة لا للدنيا الخ). . كل الناس أو جلهم، وبخاصة الذين يعانون آلام الحياة ـ يتساءلون: لما ذا خلق الانسان؟و قال قائل:

ان الله خلقنا للحب. وقال آخر: بل لنركع له ونسجد. وقال ثالث: لنعمل‏في الأرض، ونتقن العمل. وقال الإمام: خلق الله الإنسان ليعمل في دنياه‏عملا صالحا ينتفع به في آخرته. فالدنيا وسيلة، والآخرة هي الغاية. ويتفق هذامع القرآن الكريم: «و من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون‏الجنة يرزقون فيها بغير حسابـ40 غافر». أما قوله تعالى: «و ما خلقت‏الإنس والجن إلا ليعبدونـ56 الذاريات». فإن المراد العمل الصالح النافع، لأنه أفضل من عامة الصلاة والصيام، كما في الحديث الشريف. وقال سبحانه:

«و اما ما ينفع الناس فيمكث في الأرضـ17 الرعد». وتقدم الكلام عن‏ذلك مرارا.

(فكن منه)أي من الموت(على حذر)لأنه اذا جاء لا يؤخرك ثانية، فاستعد له من الآن، وقبل أن تحمل الى قبر ساكن مظلم(يا بني أكثر من‏ذكر الموت الخ). . فإن ذكرت وتصورت انك ميت لا محالة أخذ الخشوع بمجامع قلبك، ودفع بك الى الاعتصام بخالقك، والعمل لآخرتك(و اياك أن‏تغتر بما ترى من إخلاد أهل الدنيا اليها الخ). . ما لك وللدنيا وأبنائها؟. انهاجيفة وأهلها كلاب(فقد أنبأك الله عنها)بقوله: «انما مثل الحياة الدنيا كماءأنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى اذا أخذت‏الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها انهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارافجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمسـ24 يونس».

(و نعت لك نفسها، وتكشفت لك عن مساويها)بموت السابقين من أهلهابلا رجعة، وأنت حلقة من هذه السلسلة، وكذلك من يأتي بعدك حتى النهاية، وما الى الفرار من سبيل. وقال الإمام لمن ذم الدنيا: متى غرتك؟أ بمصارع‏آبائك من البلى، أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى؟. (و انما أهلها كلاب‏عاوية الخ). . وهنا مكان العجب، الموت يتخطف أهل الدنيا من كل جانب، وهم على يقين بأنهم ميتون لا محالة، ومع هذا نراهم في تناحر وصراع دائم على‏الحطام والحرام .

الإمام يقسم الناس الى قوي وضعيف:

(و يأكل عزيزها ذليلها، ويقهر كبيرها صغيرها). كل الأقوياء جبارون‏مستغلون، لا يعرفون الحب والخير والعدل، ولا يقرون بشي‏ء من الحق إلا من شذ. .

و ما الضعيف عندهم إلا حشرة أو بعوضة!. . ولا علاج لهذا الداء إلا بأحد فرضين:

الأول المساواة بين جميع الناس ذكورا واناثا ورجالا وأطفالا، وتكافؤهم في‏كل شي‏ء حتى في قوة العضلات. . وهذا ممتنع وتأباه سنن الكون والطبيعة.

الثاني: القوة الرادعة العادلة، وهذا ممكن ومعقول. . ولكن مركز القيادةـفي الغالبـيحتكره أرباب القوة والثروة قديما وحديثا من العرف القبلي الى‏النظام الجمهوري، وهنا يكمن السر في تقسيم المجتمعات الى فئة عليا تملك كل‏شي‏ء، وفئة مضطهدة ليس لها من الأمر شي‏ء . . والى هذا التقسيم أشار الإمام‏بقوله: «يأكل عزيزها ذليلها: ويقهر كبيرها صغيرها». ومثله ما جاء في‏الخطبة 127: «اضرب بطرفك حيث شئت من الناس فهل تبصر إلا فقيرايكابد فقرا، أو غنيا بدل نعمة الله كفرا».

(نعم معقلة) أي أنعام مقيدة مكبلة، والمراد بها الضعفاء، كما قال الشيخ‏محمد عبده، وهم لا يستطيعون حيلة، ولا يهتدون سبيلا إلا سبيل الاستماتة من‏أجل تحريرهم وحياتهم، وهل من الضروري لمن يريد الحياة أن يكون دائم ‏الجهاد ضد الطغاة متفرغا لحربهم ونضالهم؟ (و أخرى مهملة قد أضلت عقولها، وركبت مجهولها)و هي الفئة القوية الثرية تسرح في الفساد والضلال(سلكت بهم‏الدنيا طريق العمى، وأخذت بأبصارهم عن منار الهدى، فتاهوا في حيرتها، وغرقوا في نعيمها، واتخذوها ربا، فلعبت بهم ولعبوا بها، ونسوا ما وراءها).

و ينطبق هذا تماما على الذين يسيطرون ويتحكمون بالثروات ووسائل الإعلام، ينشرون الفساد بين الأجيال، وينتجون أسلحة الدمار للاعتداء على الشعوب الآمنةينتهبون ويقتلون ويشردون .

و بالمناسبة قرأت في جريدة«الأهرام المصرية»تاريخ 1ـ12ـ1972: «ان الكونجرس الأمريكي أقر اعتمادا ب 105 مليارات من الدولارات، لبناءغواصات وقاذفات نووية جديدة»!لمن هذا السلاح المدمر؟أ لنصرة الحق والعدل، وإنصاف الضعيف من القوي، وردع الوحوش الكاسرة، أم للاعتداء على‏المستضعفين، ودعم الصهاينة في فلسطين، ولكل عميل وخائن في شرق الأرض‏و غربها؟و لما ذا لا تنفق هذه المليارات على خدمة الحياة وسد حاجاتها؟و لكن‏أربابها لا يريدون أن تنخفض الأسعار، فيبتسم لها وللأمن المعذبون في الأرض. .

أبدا لا هدف لساسة التخويف بالحرب، وتحويل الصناعة اليها الا ان يتحكموابالأقوات والأسواق، وان يخيم الرعب واليأس على كل قلب ومهد كي يخضع‏لأمرهم صاغرا، ولا يسألهم سائل عما يفعلون ويفسدون. . وكأن الإمام ينظراليهم: ويعنيهم بقوله: «أتخذوها ربا، فلعبت بهم ولعبوا بها، ونسوا ماوراءها)أي ما وراء دنيا الطغاة العتاة من خراب ودمار وحساب وعقاب«ان‏ربك لبالمرصاد»للذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها القبور والدموع والثكل واليتم‏و البؤس والتشريد.

أكرم نفسك. . فقرة 19ـ20:

رويدا يسفر الظلام. كأن قد وردت الأظعان. يوشك من أسرع أن يلحق. واعلم أن من كانت مطيته الليل والنهار فإنه يسار به ‏و إن كان واقفا، ويقطع المسافة وإن كان مقيما وادعا. واعلم يقيناأنك لن تبلغ أملك ولن تعدو أجلك، وأنك في سبيل من كان‏قبلك. فخفض في الطلب، وأجمل في المكتسب فإنه رب طلب قدجر إلى حرب. فليس كل طالب بمرزوق، ولا كل مجمل‏بمحروم . وأكرم نفسك عن كل دنية وإن ساقتك إلى الرغائب‏فإنك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا، ولا تكن عبدغيرك وقد جعلك الله حرا. وما خير خير لا ينال إلا بشر، ويسر لا ينال إلا بعسر. وإياك أن توجف بك مطايا الطمع‏فتوردك مناهل الهلكة. وإن استطعت أن لا يكون بينك وبين‏الله ذو نعمة فافعل. فإنك مدرك قسمك وآخذ سهمك. وإن ‏اليسير من الله سبحانه أعظم وأكرم من الكثير من خلقه وإن‏كان كل منه. وتلا فيك ما فرط من صمتك أيسر من إدراكك مافات من منطقك، وحفظ ما في الوعاء بشد الوكاء. وحفظ ما في ‏يديك أحب إلي من طلب ما في يد غيرك. ومرارة اليأس خيرمن الطلب إلى الناس. والحرفة مع العفة خير من الغنى مع الفجور . والمرء أحفظ لسره. ورب ساع فيما يضره. من أكثر أهجر. ومن‏تفكر أبصر.

اللغة:

رويدا: مهلا. ويسفر: يكشف. والأظعان: جمع الظعينة أي الهودج.

و وادعا: ساكنا. وحربـبفتح الحاء والراءـسلب المال. وتوجف:

تسرع. وتلافيك: تداركك. وفرط: ذهب وفات. والوكاء: الرباط.

و المراد بالحرفة هنا الحرمان أو الضيق في الرزق. وأهجر: تكلم بالهذيان.

الإعراب:

لرويد أربعة أوجه: الأول اسم فعل مثل رويد زيدا أي أمهل زيدا، الثاني‏صفة مثل سار القوم سيرا رويدا أي خفيفا أو بطيئا، الثالث حال إذا وقع بعدالمعرفة مثل سار القوم رويدا، والرابع النصب على المصدر مثل رويدا، ورويدزيد بالإضافة، وكأن قد مخففة أي كأنه قد، ويقينا مفعول مطلق من غيرلفظه، ورب حرف جر، ولا يتعلق مجرورها بشي‏ء لأنها زائدة في الإعراب‏دون المعنى على حد تعبير النحاة، وطلب في محل رفع بالابتداء، وإياك مفعول‏لفعل محذوف، والأصل احذرك، ولما حذف الفعل انفصل الضمير.

المعنى:

(رويدا يسفر الظلام الخ). . لا شي‏ء أقرب الى الانسان من الموت، ومن‏تخطاه الآن أتاه غدا أو بعد غد، وحينذاك تنكشف الحقيقة للغافلين، وتتملكهم‏الحسرة والندامة(ان من كانت مطيته الليل والنهار فإنه يسار به الخ). . كل‏إنسان مسافر الى قبر ساكن مظلم، والدنيا طريقه اليه، والليل والنهار مطيته، ومعنى هذا أنه سائر وان كان نائما على فراشه، ومعناه أيضا ان الموت يأخذمن عمره يوما فيوما منذ ولادته حتى النفس الأخير، ومما قرأته في هذا الباب: «الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما».

(و اعلم يقينا انك لن تبلغ أملك الخ). . لأنه لا حد لنهم الإنسان وآماله‏الجائعة، ولو ملك الكون بكامله لتمنى كونا ثانيا وثالثا الى ما لا نهاية(فخفض في الطلب الخ). . اطلب الرزق واسع اليه على أن تحفظ التوازن الواجب بين‏آخرتك ودنياك، كما قال سبحانه: «المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات‏الصالحات خير عند ربك ثواباـ46 الكهف». (رب طلب قد جر الى‏حرب). قد لا ترضى بما يكفيك من الرزق، وهو بين يديك، فتكدح طلباللمزيد والادخار . . وتأتي النتيجة بعكس ما أردت حيث تخسر ما كنت تملك من‏طعام وغذاء، وتقعد مذموما مخذولا .

(فليس كل طالب بمرزوق). لا ينزل الغذاء من السماء. . انه في بطن‏الأرض، وعلينا أن نشقها بالجهد والعرق على أن نتوكل على الله، ونسأله‏التوفيق، لأن الكون بما فيه في قبضته، يهب ويمنع حتى مع الكد والعرق إن‏شاء، ولا يشاء إلا لحكمة(و لا كل مجمل بمحروم). المراد بالمجمل المعتدل، والمعنى قد يكون الغنى بالاعتدال في السعي بلا إفراط وتفريط، وقد يكون الفقربالإفراط بالكد والسعي، والسر هو أن نعلم بأن وراء كل شي‏ء قضاء وتدبيرا، وان السعي وحده ليس بالسبب التام، ولا التوكل هو المؤثر دون غيره، وان‏كلا منهما جزء متمم للآخر.

(و أكرم نفسك ـ الى قوله ـ عوضا)لا تطلب المال من كل سبيل، وتقف من أجله مواقف الهوان فإن الكرامة لا تباع بثمن، ومن خسر كرامته‏فقد خسر نفسه. . ولكن كثيرا من الناس لا يرون الكرامة إلا في المال حتى ولوحصل بطريق العهر والخيانة(و لا تكن عبد غيرك، وقد جعلك الله حرا) .

هذا تفسير وبيان لقوله: «أكرم نفسك»لأن الكرامة والحرية شي‏ء واحد، ينبع من ذات الانسان، وما هو بهبة من مخلوق، أو كسب بكد اليمين. . وعلى‏المرء أن يستميت من أجل حريته وكرامته .

و تجدر الإشارة الى ان الحرية التي عناها الإمام ليس معناها أن يعمل الانسان‏ما يشتهي وما يريد دون أن ينظر الى الظروف المحيطة به والمجتمع الذي يعيش‏فيه، وانما أراد حرية الناس مجتمعين يعيشون ويعملون يدا واحدة لصالح‏الجميع، وعلى كل فرد أن يمارس حريته في هذا النطاق، فإن تعداه فقد استهان‏بحريته بمل‏ء إرادته، وجعل السبيل عليه للقوة الرادعة العادلة.

(و ما خير خير لا ينال إلا بشر). «ما»هنا استفهام لفظا، وإنكار محتوى، والمعنى كل شي‏ء يحرم فعله فالآثار المترتبة عليه حرامـمثلاـلا مهرلعاهر لأن الزنا حرام، ولا نيابة لمزور لأن التزوير حرام، ولا حكم لمرتش لأن‏الرشوة حرام. وبكلمة، إن الغاية لا تبرر الواسطة إلا ضمن القانون والنظام(و يسر لا ينال إلا بعسر)ـمثلاـالغنى يسر، والفقر عسر، ولكن لايزال هذا العسر بما أشد منه عسرا وقبحا كالسرقة والخيانة، والمذلة والمهانة.

(و إياك أن توجف بك مطايا الطمع الخ). . انه شره ونهم، وعاقبته الوبال‏و الخسران. وفي بعض الروايات: الطمع خمر الشيطان لا يصحو شاربه إلا في نارجهنم(و ان استطعت أن لا يكون الخ). . من الخير أن تتعاون مع أخيك‏الانسان على المصلحة المتبادلة بينكما على أساس العدل والمساواة، أما أن يكون هوالغني عنك، وأنت الفقير اليه فالأفضل أن تتركه وشأنه، وتسعى جهدك متوكلاعلى الله، فإن المؤمن الحق لا يطلب العون إلا من خالقه، ولا يقبل إلا فضله‏و إحسانه، ولا ينظر الى ما في أيدي الناس.

(فإنك مدرك قسمك، وآخذ سهمك)من خالقك، بلا نقصان وواسطةمخلوق مثلك، واذن فمن السخافة أن تقبل الهوان من غيرك لأجل الرزق. . بل‏خير لك وأفضل أن تصبر وتتجرع المرارة على أن تتحمل المنة من غير رازق‏العباد(و ان اليسير من الله سبحانه أعظم وأكرم من الكثير من خلقه). أجل‏و الله ان قليله عظيم وكثير بخيراته وبركاته، وكثير غيره صغير وحقير بالقياس‏الى يسيره تعالى، وإن كان الكون بما فيه لله ومن الله، ولكن لوساطة العبدمنغصات لا يطيقها أبي كريم. وقال الشيخ محمد عبده: «ليس أفعل في النفس‏من هذا الكلام الذي يكاد من قوته وإصابته الحق يقطع القارى‏ء المؤمن لفوره عن‏الدنيا».

(و تلافيك ما فرط من صمتك الخ). . لا غبن ولا عيب عليك فيما فاتك من‏الكلام، لأن الساكت يمكنه أن يستدرك، ويقضي ما فات كما فات، أما زلل‏اللسان فيصعب تلافيه كالماء يراق من الإناء على الأرض يتعذر رده ويستحيل(و حفظ ما في يدك أحب إلي من طلب ما في يد غيرك)ان ترقيع الثوب‏الخلق، والقناعة بالكفاف أفضل من الاستقراض وأخذ أوساخ الناس(و مرارةاليأس الخ). . القناعة كنز وغنى، واليأس مما في أيدي المخلوقين عزة وكرامة، وجرأة في قول الحق وإعلانه، ومن التجأ الى الله يائسا من سواه أكرمه وأعطاه.
أقولها بجزم ويقين، وعن تجربة ووجدان. ومن أقوال الإمام: الغنى الأكبر اليأس‏مما في أيدي الناس.

(و الحرفة مع العفة خير من الغنى مع الفجور). العسر مع النزاهة والإباءخير من اليسر مع الحرام والخساسة(و المرء أحفظ لسره)و من ضاق بسره ذرعافلا يلومن من أطلقه وأفشاه . قال الإمام: من كتم سره كانت الخيرة بيده(و رب ساع فيما يضره). ورب هنا للتكثير لا للتقليل اذا أردنا بالضرر مايشمل حساب الآخرة وعقابها. وقال الحكماء: لا خير في ظفر يصاب بضرر (من أكثر أهجر). للقول ساعات ومقدار معين، فمن تعداه وقع في اللغوو الخطأ. قال الإمام: من كثر كلامه كثر خطأه(و من تفكر أبصر)و خرج‏من ظلمات الجهل الى نور المعرفة، ومن عمل وأقدم بلا تفكير خبط في التيه.

ربما كان الدواء داء. . فقرة 21ـ22:

قارن أهل الخير تكن منهم. وباين أهل الشر تبن عنهم. بئس‏الطعام الحرام. وظلم الضعيف أفحش الظلم. إذا كان الرفق خرقا كان الخرق رفقا. ربما كان الدواء داء والداء دواء. وربما نصح‏غير الناصح وغش المستنصح. وإياك واتكالك على المنى فإنها بضائع الموتى، والعقل حفظ التجارب . وخير ما جربت ما وعظك. بادر الفرصة قبل أن تكون غصة. ليس كل طالب‏يصيب، ولا كل غائب يؤوب . ومن الفساد إضاعة الزاد ومفسدة المعاد. ولكل أمر عاقبة. سوف يأتيك ما قدر لك. التاجرمخاطر . ورب يسير أنمى من كثير. لا خير في معين مهين، ولا في صديق ظنين. ساهل الدهر ما ذل لك قعوده. ولاتخاطر بشي‏ء رجاء أكثر منه. وإياك أن تجمح بك مطية اللجاج.

اللغة:

الخرقـبفتح الخاءـالثقب، وبكسرها الفتى الظريف الكريم، وبضمهاـكما هناـالعنف والشدة، وأيضا الجهل والحمق. والمستنصح بالفتح المطلوب‏منه أن ينصح. وظنين: متهم. وقعود: من الإبل . واللجاج: التمادي في‏الخصومة.

الإعراب:

تكن مجزوم بجواب الأمر، وإياك مفعول لفعل محذوف، والأصل أحذرك، وما ذل«ما»مصدرية، ورجاء مفعول من أجله لتخاطر، وأكثر لا ينصرف‏للصفة ووزن الفعل.

المعنى:

(قارن أهل الخير)ابذل من نفسك ومالك لنصرة الحق، وإبطال الباطل كمافعل ويفعل المناضلون الأحرار(تكن منهم)قولا وعملا(و باين أهل الشر)

بإعلان الثورة عليهم وجهادهم بكل ما تستطيع(تبن عنهم). أما أن تعتزل‏إيثارا للسلامة، وطلبا للراحة، وتعتكف في المحراب، أما إن فعلت هذاـفأنت‏شيطان أخرس، كما قال الرسول الأعظم، وأيضا قال: من لا يهتم بأمر المسلمين‏فليس منهم. (و بئس الطعام الحرام)و أي شي‏ء أكثر جرما وأعظم إثما من الحياةعلى حساب المستضعفين، وخبر الأرامل والأيتام؟.

(و ظلم الضعيف أفحش الظلم)و أفحش منه ومن الفحش نفسه أن تضع يدك‏على فمه، وتمنعه من الصراخ من ألمه والاحتجاج على ظالمه، ولو قيل لي: ما تعريف الانسان بمعنى الكلمة لقلت : هو الثورة على الظلم وضد الظالم. وتقدم‏الكلام عن ذلك في شرح الخطبة 174(و اذا كان الرفق خرقا كان الخرق رفقا).

مهادنة الأشرار شر محض، لأنها تشجعهم عليه، وتغريهم به، والعدل أن يردعوابالعنف اذا لم يجد الجدال بالتي هي أحسن. قال الإمام: الوفاء لأهل الغدر غدرو الغدر بأهل الغدر وفاء .

(ربما كان الدواء داء). قد يخطى‏ء الطبيب في تشخيص المرض، فيصف‏دواء ظاهره الرحمة، وباطنه من قبله العذاب(و الداء دواء)كالطبيب يقطع‏العضو السقيم الذي لا يمكن علاجه كيلا يفسد بقية الأعضاء السليمة، ويسمى هذابدفع الضرر الأشد بالضرر الأخف(و ربما نصح الخ). . استمع للخائن والأمين، وحاكم ما تسمع من الاثنين بعقل رزين، واختر ما تركن اليه نفسك. قال الرسول‏الأعظم(ص): استفت قلبك، البر ما اطمأنت اليه النفس، والإثم ما حاك في‏القلب، وإن أفتاك الناس وأفتوك.

(و إياك والاتكال على المنى الخ). . أبدا لا فرق بين التأوه على ما فات، وتمني الخيرات، كلاهما سخف وضعف. . ولا راحة إلا بالكد والتعب، وقال‏قائل: لا يزال المرء مقرونا بالتواني ما دام مقيما على وعد الأماني(و العقل‏حفظ التجارب). التجربة عند الإمام مصدر من مصادر المعرفة، ولكن ليست‏أقواها، فهناك الوحي والعقل الذي يفكر ويستنتج. ومن أقواله: ليست الروايةكالمعاينة مع الإبصار، فقد تكذب العيون أهلها، ولا يغش العقل من استنصحه(و خير ما جربت ما وعظك)أي ما نفعك، بل أنفع المعارف كلها ما أسرع‏بك الى عمل الخير، وأقصاك عن ارتكاب الشر.

(بادر الفرصة الخ). . فإنها تمر مر السحاب وإلا لحقتك الندامة والحسرة (ليس كل طالب يصيب) لا غبن عليك أن تطلب الشي‏ء فلا تجده، لأن هذاشائع ومألوف، والمهم أن لا تبخع نفسك على أثره (و لا كل غائب يؤوب) كالميت (و من الفساد إضاعة الزاد الخ). . بالتهاون فيه وعدم ادخاره لوقت‏الحاجة (و لكل أمر عاقبة)حلوة أو مرة، والعاقل يراقب ويحترس، ولايقدم إلا بعد البحث والتأمل (سوف يأتيك ما قدر لك) من الرزق بعد السعي‏و العمل، وإياك والمنى كما قال الإمام (التاجر مخاطر) برأس المال، فإن ربح قال الناس عنه: سعيد الطالع، وإن خسر قالوا: لا حظ له. والواقع ان الحظ والطالع هنا هو دقة المراقبة وحسن التقدير للعواقب والتوفيق. والتجارة في أيامنا فن‏ من فنون اللصوصية، وعلم بأساليب الغش والاحتيال على الشعوب الضعيفة ونهب‏أقواتها ومقدراتها.

(و رب يسير)وضع في محله(أنمى من كثير) وضع في غير موضعه. وقدرأينا الكثير من أصحاب الملايين آل أمرهم الى البؤس والعوز من تصرفهم (لاخير في معين مهين)يفسد معروفه بكلمة أو حركة نابية. قال سبحانه: «لاتبطلوا صدقاتكم بالمن والأذىـ264 البقرة. (و لا في صديق ظنين) يرائي ويراوغ (ساهل الدهر ما ذل لك قعوده)امش بدائك ما مشى بك كما قال الإمام(و لاتخاطر بشي‏ء رجاء أكثر منه)إلا مع مظنة النجاح. وقال قائل: من طلب‏الفضل حرم الأصل(و إياك أن تجمح بك مطية اللجاج). التعصب والعناد جهل‏و فساد، والتمادي في الخصومة يسل العقل والدين . قال الإمام: لا يستطيع أن‏يتقي الله من يخاصم.

الصداقة والصديق. . فقرة 23ـ24:

احمل نفسك من أخيك عند صرمه على الصلة، وعند صدوده على ‏اللطف والمقاربة، وعند جموده على البذل، وعند تباعده على‏الدنو، وعند شدته على اللين، وعند جرمه على العذر حتى كأنك‏ له عبد وكأنه ذو نعمة عليك. وإياك أن تضع ذلك في غير موضعه أو أن تفعله بغير أهله. لا تتخذن عدو صديقك صديقا فتعادي صديقك. وامحض أخاك النصيحة حسنة كانت أو قبيحة.

و تجرع الغيظ فإني لم أر جرعة أحلى منها عاقبة ولا ألذ مغبة.

و لن لمن غالظك فإنه يوشك أن يلين لك. وخذ على عدوك بالفضل فإنه أحلى الظفرين. وإن أردت قطيعة أخيك فاستبق له‏من نفسك بقية ترجع إليها إن بدا له ذلك يوما ما. ومن ظن‏بك خيرا فصدق ظنه. ولا تضيعن حق أخيك اتكالا على مابينك وبينه فإنه ليس لك بأخ من أضعت حقه . ولا يكن‏أهلك أشقى الخلق بك. ولا ترغبن فيمن زهد فيك. ولا يكونن‏ أخوك أقوى على قطيعتك منك على صلته، ولا تكونن على ‏الإساءة أقوى منك على الإحسان، ولا يكبرن عليك ظلم من‏ظلمك فإنه يسعى في مضرته ونفعك. وليس جزاء من سرك أن‏تسوءه.

اللغة:

صرمه ـ بفتح الصاد وسكون الراء ـ قطيعته. وصدوده: بعده. والمرادبالجمود هنا البخل.

الإعراب:

عاقبة تمييز، ومثلها مغبة، ويوما ما«يوم»ظرف منصوب ببدا، واتكالامفعول من أجله لتضيعن .

حق الصديق:

أشار الإمام في هذا المقطع الى حق الصديق على صديقه. وقبل الشرح نشير بإيجاز الى تعريف الصداقة وسببها، ويمكن تلخيصها بالمودة والوفاء والثقة، أماسببها فالمطابقة والانسجام . قال الرسول الأعظم(ص): «الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» . ومتع الحياة لا يبلغها الإحصاء، وتفوقها جميعا متعة الصداقة، وتبلغ الغاية القصوى حين يفضي الصديق الى صديقه‏بأسراره وهمومه حيث يشعر من أعماقه انه ينفض عن كاهله أثقاله وأغلاله.

و أقوى شي‏ء في الدلالة على الوفاء والثقة أن تدافع عن أخيك، وتبرئه من شائعةالسوء بمجرد سماعها، وقبل البحث وقيام البينة.

و بعد تجربة عشرات السنين أستطيع القول: إن الصداقة بمعنى الحقيقة لهذه‏الكلمة لا تكون ولن تكون إلا اذا وجد في كل واحد من الاثنين صفة أو صفات‏يقدرها الآخر أيا كان نوعها، فالشرط أن يكون للصفة وزنها عند الصديق لافي ذاتها وواقعها. ويرجع هذا الى قول الرسول(ص): ما تعارف منهاائتلف.

(احمل نفسك من أخيك الخ). . قد يظن بك الصديق التقصير في حق من‏حقوقه، فيعاتبك بالصد والهجران. . وينبغي أن تتجاهل ذلك، ولا تعامله بالمثل وإلاأنهيت الصداقة بنفسك، ووضعت لها حدا بيدك. . حتى ولو كان هو البادى‏ء، مادام التلافي ممكنا، فإنك إن تجاهلت، وبقيت على عادتك معه من اللطف والمداراةيذهب ما في النفس مع الأيام، وتعود المياه الى مجراها (و عند جموده على‏البذل الخ). . واسه بنفسك حتى ولو كان البخل من طبعه.

(و عند جرمه على العذر)تغاض عن هفوته واحتملها منه. . وإن طلبت‏صديقا لا تعاتبه عشت بلا صديق مدى الحياة «أي الرجال المهذب؟» و هل من‏العدل والإنصاف أن تطلب العصمة من خطأ لا تبرى‏ء نفسك من مثله؟ (حتى‏كأنك له عبد) هذا كناية عن حسن المعاملة والتسامح مع الاخوان، لأن الصداقةاخوة لا عبودية، ووفاء لا إلجاء (و إياك أن تضع ذلك في غير موضعه)

تسامح وتواضع مع الذين يقدسون النبل والخلق الكريم، لا مع من يرى التواضع‏منك ضعفا وافتقارا. قال أعرابي لصديق له: كن لي ببعضك حتى أكون‏بكلي لك.

(و لا تتخذن عدو صديقك صديقا فتعادي صديقك). والجمع بينهما تماما كالجمع بين الماء والنار. قال رجل للإمام: اني احبك وأحب معاوية. فقال‏الإمام: أنت أعور الآن، ونهايتك العمى او الشفاء من العور(و امحض أخاك‏النصيحة حسنة كانت او قبيحة)أي ثقيلة على من تنصحه، كما لو كان معجبابنفسه يدعي العلم، وما هو من أهله، او كان كذوبا او حسودا فصارحته ونهيته، وبكلمة: إنصح بالحق وإن غضب المقصود بالنصيحة، ولا يهمك ما دمت مخلصاو مجتهدا فيها عند نفسك.

(و تجرع الغيظ الخ). . قد يستفزك سفيه بكلمة نابية، او حركة مزعجةفتثور أعصابك، وعليك أن تتماسك إن حدث شي‏ء من ذلك، ولا تستجيب‏لغضبك وأعصابك، ولو استسلمت للغصب لانتهيت الى أسوأ العواقب. وبالإيجازمن لم يصبر على كلمة سمع كلمات(و لن لمن غالظك الخ). . إن ظننت به‏خيرا، ورجوت ان يرجع عن جفوته، ويؤوب الى رشده، وهذا تعبير ثان‏عما سبق من قول الإمام : «و إياك ان تضع ذلك في غير موضعه».

(و خذ على عدوك بالفضل فإنه أحلى الظفرين)و هما: ظفر القصاص‏و الانتقام، وظفر العفو والإحسان. وهذا هو الجدير بالعظماء والأولياء. وليس‏من شك ان العفو يضاعف الحسنات، وينقص السيئات. قال تعالى: «و إن‏تعفوا أقرب للتقوىـ237 البقرة». وقال الإمام: متى أشفي غيظي؟

أ حين أعجز عن الانتقام فيقال لي: لو صبرت؟أم حين أقدر عليه فيقال لي:  لو عفوت.

(و إن أردت قطيعة أخيك الخ). . وبأسلوب آخر هو للإمام أيضا: «احبب‏حبيبك هونا ما عسى ان يكون بغيضك يوما ما، وابغض بغيضك هونا ما عسى‏ان يكون حبيبك يوما ما».

و كثيرا ما تحدث القطيعة بين الصديقين، ثم تستأنف الصداقة بحبل أقوى وأوثق‏اذا كان مع الهجر عقل(و من ظن بك خيرا فصدق ظنه)من وثق بنبلك فكن‏عند ثقته، فإنها قوة لك وثروة . والعكس صحيح أي من ظن بك شرا فكذب‏ظنه بعمل الخير.

(و لا تضيعن حق أخيك الخ). . إن للصداقة حرمتها، وللصديق حقوقه، فإن قصرت في شي‏ء من حقه فقد انتهكت حرمة الصداقة والاخوة، وجعلت‏على نفسك بنفسك سبيلا للمؤاخذة والملامة. قال بعض السلف: ما تحاب اثنان‏فرق بينهما إلا ذنب يحدثه أحدهما(و لا يكن أهلك أشقى الخلق بك). من‏شقي به اهله فهو أشقى الناس على الإطلاق، لأن من يبغي على القريب ييأس‏الناس من خيره ويخافون من شره، ومن يسعد به القريب يرجوه البعيد لعمل ‏الخير. قال رسول الله(ص) : «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». هذا، الى ان لرب الأسرة وسيرته معها التأثير البالغ في صلاحها وفسادها، ونعيم البيت‏او جحيمه.

(و لا ترغبن فيمن زهد فيك). تجاهل من أدبر عنك كأنه لم يكن حتى‏و لو كانت الدنيا في قبضته . . إن الاستعانة بغير الله ذل وهوان (و لا يكونن أخوك‏أقوى الخ). . اذا كان هو اقوى منك على القطيعة والإساءة فكن أنت أقوى منه على ‏الصلة والإحسان، شريطة ان يكون في صلتك له شي‏ء من الخير والصلاح وإلافالسلو أفضل(و لا يكبرن عليك ظلم من ظلمك فإنه يسعى في مضرته ونفعك)

عند الله، لأن يوم العدل على الظالم أشد من يوم الجور على المظلوم، كما قال‏الإمام في مقام آخر. . وليس معنى هذا ان تستسلم للظلم. . كلا، فإن جهاده‏فرض، ومن قصر فيه فهو شريك الظالم، ولو علم الظالم ان المظلوم يستميت‏دون حريته وكرامته لتحاماه.

(و ليس جزاء من سرك أن تسوءه). هذا كلام مستأنف لا صلة له بما قبله‏كما توهم بعض الشارحين وقال في تفسيره: ليس جزاء من أساء اليك ان تقابله‏بالإساءة، لأنه قد زاد في أجرك عند الله!. . ونسي هذا الشارح وجوب الجهادضد البغي، وإن من مات دون عقال من ماله مات شهيدا، وانه لا معنى‏للعدل إلا الضرب على أيدي المعتدين، وان السكوت عنهم هو تشجيع للفساد في‏الأرض .

الرزق. . فقرة 26ـ27:

و اعلم يا بني أن الرزق رزقان: رزق تطلبه، ورزق يطلبك فإن‏أنت لم تأته أتاك. ما أقبح الخضوع عند الحاجة والجفاء عند الغنى؟

إن لك من دنياك ما أصلحت به مثواك. وإن جزعت على ماتفلت من يديك، فاجزع على كل ما لم يصل إليك. استدل على‏ ما لم يكن بما قد كان. فإن الأمور أشباه. ولا تكونن ممن لا تننفعه العظة إلا إذا بالغت في إيلامه، فإن العاقل يتعظ بالآداب‏و البهائم لا تتعظ إلا بالضرب. اطرح عنك واردات الهموم‏ يعزائم الصبر وحسن اليقين. من ترك القصد جار، والصاحب‏مناسب. والصديق من صدق غيبه. والهوى شريك العناء. رب‏ قريب أبعد من بعيد، ورب بعيد أقرب من قريب. والغريب‏ من لم يكن له حبيب. من تعدى الحق ضاق مذهبه. ومن اقتصرعلى قدره كان أبقى له. وأوثق سبب أخذت به سبب بينك وبين‏ الله. ومن لم يبالك فهو عدوك. قد يكون اليأس إدراكا إذا كان الطمع هلاكا . ليس كل عورة تظهر ولا كل فرصة تصاب.

و ربما أخطأ البصير قصده وأصاب الأعمى رشده.

اللغة:

مثواك: منزلك. وما تفلت: ما فات. وعزائم الصبر: قوة الإرادة.

و القصد: الاعتدال. والمناسب: الموافق والقريب. ولم يبالك: لم يكترث بك.

و العورة: الخلل.

الإعراب:

رزق تطلبه ورزق يطلبك«رزق»بدل مفصل من مجمل، والمبدل منه رزقان، وما أقبح الخضوع«ما»مبتدأ بمعنى شي‏ء، وأقبح فعل ماض، والفاعل مستتريعود الى«ما»و الجملة خبر، والخضوع مفعول.

المعنى:

(إن الرزق رزقان: رزق تطلبه)بتجارة او صناعة او فلاحة او خدمة.

و هذا الرزق وراءه قضاء وتدبير كأي شي‏ء يحدث في الكون حيث أبى الله سبحانه‏إلا ان يربط الأسباب بمسبباتها، والنتائج بمقدماتها حتى نعيم الآخرة او جحيمهاهو نتيجة الأعمال في الحياة الدنيا. . هذا مع العلم بأن سلسلة الأسباب تنتهي اليه‏تعالى طالت أم قصرت(و رزق يطلبك)بإرث او هدية او صيد غال وثمين لايكلفك سوى خطوات. . ومهما يكن فإن كلام الإمام هنا عن الرزق مجرد تعبيرعن واقع الحال بصرف النظر عن فلسفة الرزق. وتقدم الكلام عنها في شرح‏الخطبة . 23

(ما أقبح الخضوع عند الحاجة). لا شي‏ء أدل على ضعة النفس وخساستها، ولؤمها ودناءتهاـمن التنمر في اليسر، والتذلل في العسر. . والنفس الكريمةسواء في الحالين، بل هي مع العسر أعز وأكثر إباء. . ومما يزيد الفاقة شدةالاستكانة لمن لا يجبرها. وقال الإمام: ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء طلبا لماعند الله، وأحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء اتكالا على الله(انما لك من‏دنياك ما أصلحت به مثواك). أبدا لا فرق بين من يملك الملايين ومن يملك العشرات ما دام وعاء البطن لا يقبل المزيد من الطعام، ومساحة الجسم لا تتجاوزالمقرر من اللباس. . والعمر الى أجل، والى التفريق والشتات ما جمع المرء وماكسب. . واذن فعلام التناحر على الحطام؟.

(و إن كنت جازعا على ما تفلت من يديك الخ). . حكمة بالغة دامغة فماتغني النذر: ثروة الكون لا حد لها، أما حاجتك فلها حد، وأنت تطلب المزيد، وتحزن اذا لم تبلغ ما تريد، وعلى منطقك هذا ينبغي ان تبكي وتندب لأنك لاتملك الكون بأرضه وسمائه. . وأي فرق من حيث النتيجة بين ما ذهب من مالك، وبين ما لم تنل منذ البداية؟. (استدل على ما لم يكن الخ). . تصفح أحوال‏الذين جمعوا او حرصوا: ما ذا حدث لأموالهم بعد الموت، وقس عليها ما في‏يدك الآن من مال وحطام .

(و لا تكن ممن لا تنفعه العظة الخ). . اعتبر بالغير، واتعظ بالعبر إن كنت‏انسانا يدرك الأمور وعواقبها لا حيوانا يقرع بالعصا(اطرح عنك واردات‏الهموم الخ). . لا مفر من المصائب والنوائب في هذه الحياة. . ومع هذا عليك‏الوقاية ما أمكن، والعلاج إن ابتليت، فإن استعصى الداء عليك وعلى أهل‏الاختصاصـفوض الأمر الى الله، وامض في عملك، واد ما عليك، وسوف‏ترى الأمر على ما يرام. . وان شغلت نفسك بالتفكير فيما أصابك صدك الخوف‏عن عملك، وتراكمت عليك الأحزان بلا جدوى.

و من جملة ما قرأت ان رجلا أحس بضعف وانحراف في صحته، ولما عرض‏نفسه على الطبيب قال له: انه مريض بسرطان الدم، وانه يموت بعد قليل. .

فلم ينزعج وتحدى المرض، وقال في نفسه: لا فرق بين أموت مفاجأة أو بإنذارسابق، ومضى في عمله كأن لم يكن شي‏ء، واستمر فيه حتى الآن، ولو انه‏استسلم للوساوس لخارت قواه، وأمسى طريح الفراش ينتظر الموت في كل لحظة.

و معنى هذا انه يموت في اليوم مرات. ولما قيل له: كيف تعمل وأنت على هذه‏الحال قال: أجرب الحكمة القائلة: خير الدواء العمل. وقال الإمام: إن صبرت‏جرى عليك القدر وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك القدر وأنت مأزور.

(من ترك القصد جار)من أسرف تعدى الحدود، ومن أمسك قصر عنهاو الطريق الوسطى سبيل الخير والنجاة(و الصاحب المناسب)و لا صحبة بلا موافقة ومناسبة(و الصديق من صدقت غيبته)شر الناس من صادقك من غير صدق، يكيل لك المدح في المحضر، ويذيع السيئات في المغيب، وإن سمعها أقرها بسكوته‏مع علمه بأنها زور وافتراء(و الهوى شريك العمى)اذا غلب الهوى عمي العقل (و رب بعيد أقرب من قريب)لتقارب الأخلاق وتوافقها. . وأيضا كل من‏أحسن اليك فهو قريب الى نفسك، وإن بعدت لحمته(و قريب أبعد من بعيد)

لتباعد الأخلاق وتنافرها، او لنزاع على ميراث او جاه.

(و الغريب من لم يكن له حبيب) للؤمه وحسده، او لتعاظمه وخيلائه، او لظلمه واعتدائه(و من تعدى الحق ذاق مذهبه) اي طريقه، والمعنى من‏تسلح بغير الحق فهو أعزل من كل حجة ودليل، وفضيلة ومكرمة، ولا دواءله إلا الازدراء والقسوة اذا لم يرتدع إلا بها (و من اقتصر على قدره كان أبقى‏ له) اذا لم تدع بما ليس فيك أحبك الناس، وأنزلوك فيما أنت أهل له وجديربه، وإن تجاوزت طورك بخسوا حقك، وارتابوا في كل قول او فعل من أقوالك‏و أفعالك، وإن كنت فيه من الصادقين(و أوثق سبب أخذت به الخ). . والسبب‏الذي بين الله والعبد هو العلم بأحكامه تعالى والعمل بها.

(و من لم يبالك فهو عدوك). قال ابن أبي الحديد، ونحن معه فيما قال:

المراد بهذه الوصية خصوص الولاة، لأن عدم المبالاة بهم معناه الاستهانة بالقوةالرادعة عن الباطل، أما سائر الناس فغير مقصودين بهذه الوصية، لأن اللامبالاةمن حيث هي لا تستدعي العداء والبغضاء(قد يكون اليأس إدراكا اذا كان‏الطمع هلاكا)المراد باليأس هنا الحرمان، وبالإدراك نيل المراد، والمعنى ربمايتمنى المرء لنفسه شرا من حيث يظن انه خير محض، ولا ينكشف ذلك إلا بعدأن يناله ويمارسه، ومثاله أن يتمنى الزواج من امرأة أعجبته من أول نظرة، حتى اذا تم ما أراد، وباشر وعاشر قال: يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا.

(ليس كل عورة تظهر)فتحت الثياب أفاع وذئاب، والقلوب صندوق ‏العيوب (و لا كل فرصة تصاب) . ما من انسان على وجه الأرض إلا وهويملك جزءا من الوقت يستمع فيه الى حكمة، او يقرأ ما ينفعه، او يفكر في‏آخرته ومصيره، او يكتب او يغرس او يذكر الله او غير ذلك مما يتناسب مع أوضاعه. . وللوقت وزن وثمن، ومن ذهل عنه او لم يكترث به فقد مات، وهو حي (و ربما أخطأ البصير قصده، وأصاب الأعمى رشده) تبعا للظروف ‏و الأحداث التي تشذ عن القواعد، ولا سبيل الى التنبؤ بها. . وقد رفعت هذه ‏الشواذ أفرادا لا دور لهم في شي‏ء، ووضعت آخرين كان لهم أحسن الأثر في‏خدمة الحياة وتقدمها.

السلطان والزمان. . فقرة 27ـ28:

أخر الشر فإنك إذا شئت تعجلته. وقطيعة الجاهل تعدل صلةالعاقل. من أمن الزمان خانه، ومن أعظمه أهانه. ليس كل من‏رمى أصاب. إذا تغير السلطان تغير الزمان. سل عن الرفيق قبل‏الطريق، وعن الجار قبل الدار. إياك أن تذكر في الكلام مايكون مضحكا وإن حكيت ذلك عن غيرك. وإياك ومشاورةالنساء فإن رأيهن إلى أفن وعزمهن إلى وهن. واكفف عليهن من‏أبصارهن بحجابك إياهن فإن شدة الحجاب أبقى عليهن، وليس‏خروجهن بأشد من إدخالك من لا يوثق به عليهن، وإن استطعت‏أن لا يعرفن غيرك فافعل. ولا تملك المرأة من أمرها ما جاوزنفسها فإن المرأة ريحانة وليست بقهرمانة، ولا تعد بكرامتها نفسها، ولا تطمعها في أن تشفع بغيرها. وإياك والتغاير في غيرموضع غيرة، فإن ذلك يدعو الصحيحة إلى السقم والبريئة إلى‏الريب. واجعل لكل إنسان من خدمك عملا تأخذه به فإنه أحرى أن لا يتواكلوا في خدمتك. وأكرم عشيرتك فإنهم جناحك الذي‏به تطير، وأصلك الذي إليه تصير، ويدك التي بها تصول. أستودع‏ الله دينك ودنياك. وأسأله خير القضاء لك في العاجلة والآجلة والدنياو الآخرة. والسلام.

اللغة:

الأفن والوهن: الضعف. قهرمانة: وكيلة في التصرف. والتغاير: إظهارالغيرة. يتواكلوا: يتكل بعضهم على بعض.

الإعراب:

إياك أحذرك، والباء في أشد وقهرمانة زائدة.

المعنى:

(أخر الشر الخ). . كل انسان على وجه الأرض يقدر على الشر والخير، ولو بحب الخير وفاعله، ولكن الشر أوسع مجالا، وأكثر أنواعا وأفرادا، يستطيعه أضعف الضعفاء متى شاء وأراد، ولا تفوته الفرصة منه وإن أبطأ وتلكأ، أما عمل الخير ووضعه في موضعه فله قيوده وظروفه، ولا تسمح به الفرصة في‏كل حين. . وقول الإمام: «أخر الشر»من باب: لا تستعجل الهلاك، أي‏ابتعد عنه.

(و قطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل)لأن العاقل لا يقول ويفعل إلا بعد تقديرالعواقب، والتثبت والأناة، ولا يحقد على من عابه بشي‏ء هو فيه، أما الجاهل‏فيتصرف باللمحة، ويحكم بالظنة، ولا يعرف للروية معنى، ولا يقيم للعاقبة وزنا (من أمن الزمان خانه) اذا أقبلت الدنيا عليك فاحذر المخبآت والمفاجآت، فإن‏الدنيا يجوز عليها كل شي‏ء (و من أعظمه أهانه) أي من أعظم الطاغية من أبناءالزمان، لأن الزمان ليس بجسم يحس كي لا يحقر أو يقدر، وليس من شك‏ان تعظيم الطاغية رياء ونفاق، وذل وهوان.

(ليس كل من رمى أصاب)الهدف وإن كان حاذقا. والقصد من هذا هوالتنبيه الى ان العاقل يتوقع الخطأ من نفسه ويتقبل النقد، وان المعجب برأيه يرى‏انه لا ينطق إلا بالصواب، وهو جاهل مغرور(اذا تغير السلطان تغير الزمان)

إن خيرا فخير، وإن شرا فشر بخاصة في عصرنا الذي بغلت فيه الأسلحة المدمرةحدا يفوق التصور، ويسيطر الحاكم او الهيئة الحاكمة على جميع المقدرات ونواحي‏الحياة. . فإذا كانت مصالح العباد في أيد أمينة ونزيهة عاشوا في ظل الراعي عيشةطيبة راضية، وإن كانت في أيدي اللصوص والقراصنة قادوا الرعية الى الهاوية، ومنذ القديم شاع وذاع ان الرعية تصلح بصلاح الراعي، وتفسد بفساده.

و تقدم الكلام عن ذلك في الخطبة 214، ويأتي أيضا في«عهد الإمام»للأشتر.

(سل عن الرفيق قبل الطريق). السفر يسفر عن الأخلاق، فإذا صحبت‏جاهلا في سفرك ظهرت معالم صفاته وغرائزه، وأزعجك وجنى عليك. قال‏رسول الله(ص): «إن صحبت الجاهل عناك، وإن اعتزلته شتمك»و كان(ص)
اذا سافر يقول: من كان يسي‏ء الى جاره فلا يصحبنا، لأن الجار رفيق ملازم.

و قديما قيل: الجار قبل الدار(و إياك ان تذكر من الكلام ما يكون مضحكا)

إلا للمطايبة في حدود الشرع والآداب.

المرأة والمشورة:

(و إياك ومشاورة النساء الخ).. لأن رسول الله(ص) قال: شاوروهن‏ وخالفوهن. وفي «صحيح» البخاري كتاب «الحيض»: إن النبي قال:

يا معشر النساء ما رأيت ناقصات عقل ودين اذهب للب الرجل من إحداكن.

و كل ما قاله الإمام عن المرأة فهو عن الله ورسوله بلا تقليم وتطعيم في الشكل والأسلوب . وتقدم الكلام عن ذلك في شرح الخطبة 78 فقرة«علي والمرأة».

و أيضا يأتي عند قول الإمام: «المرأة شر»في الحكمة . 238

و بعد، فأي انسان جمع في مشورته بين الوعي والإخلاص يصح الأخذ بهاو الاعتماد عليها رجلا كان أم امرأة، ومتى انتفى هذان سقطت المشورة عن‏الاعتبار وإن كان المشير رجلا، أما نهي النبي وعلي عن مشورة النساء فيحمل‏على مشورة الجاهلية، وكان أكثر النساء آنذاك في معزل عن العلم وتجارب‏الحياة، ولا ذنب للمرأة في ذلك اذا قصر الرجل في تربيتها مع العلم بأنها من‏طينة الرجل، وطبيعتهما واحدة، ويشتركان في المسؤولية على قدم المساواة.

(و اكفف عليهن من أبصارهن الخ). . يشير الى الآية 31 من سورة النور:

«و قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن»(و ليس خروجهن بأشد الخ). . لافرق بين أن يطلق لهن السراح في الخروج حيث أردن وبين أن يدخل عليهن‏عاهر فاجر(و لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها الخ). . اتفقت المذاهب‏الاسلامية قولا واحدا على ان المرأة لا يجوز أن تتولى الإمارة والسلطان، وفي‏الحديث: «ما أفلح قوم ولوا عليهم امرأة». واختلفوا في توليها القضاء:

قال أبو حنيفة: يجوز أن تتولى المرأة القضاء في حقوق الناس دون حقوق الله‏أي الحقوق العامة . وقال غيره: لا يجوز إطلاقا.

(فإن المرأة ريحانة)للرقة والحنان، والدعة والاطمئنان(و ليست بقهرمانة)

تتصرف فيما يخص الرجل نيابة عنه(و لا تعدو بكرامتها نفسها الخ). . كرامةالمرأة أن تبقى امرأة، وأن تضع نفسها حيث وضعتها الطبيعة، ولا تتطفل على‏وظائف الرجل. وقال الشيخ محمد عبده: «أين هذه الوصية من حال الذين‏يصرفون النساء في مصالح الأمة». (و إياك والتغاير في غير موضعه الخ). .

لك أن تغار على المرأة بصيانتها من التبرج ومخالطة المشبوهين، أما الغيرة برجم‏الظنون فإنها تشجع المرأة السقيمة على الخيانة، وتغزي البريئة بها، وتقول في‏نفسها: كنت أحرص على ثقته بأمانتي وعفافي، أما وقد أصبحت عنده في مكان‏الريب فلم يبق ما أحرص عليه.

(و اجعل لكل انسان من خدمك الخ). . يشير بهذا الى ان الأعمال ينبغي‏أن توزع على الموظفين والمستخدمين، وان يحدد لكل واحد منهم عمل خاص به‏يكون هو المسؤول عنه وإلا عمت الفوضى، وضاعت المسؤولية بين الجميع، وأحال كل واحد التقصير والإهمال على الآخر، وهذا التصنيف والتوزيع للأعمال‏هو المبدأ الذي لم تعرفه المدنية إلا حديثا. ويأتي التوضيح في عهد الأشتر فقرة . 18

(و أكرم عشيرتك الخ). . تقدم مع الشرح في الخطبة 23(و استودع الله‏دينك ودنياك الخ). . أخلص في عبادتك لله، وفي معاملتك مع الناس، واسأل‏التوفيق منه تعالى لما فيه لله رضى، ولك خير وصلاح دنيا وآخرة. وأفضل‏الصلوات على محمد وآله الأطهار.



Copyright © 2009 The AhlulBayt World Assembly . All right reserved